هل برنامج “دولة التلاوة واللهجة البيضاء” ذو صلة بحروب اللغة العربية؟
لمن يتابع المشهد الثقافي والعام حولنا سيجد أنه منذ فترة صدرت تصريحات لفنان سوري في أحد البرامج عن النطق الخاطئ لبعض حروف اللغة لدى المصريين، وقد أشعل ذلك فتيل الفتنة بين أوساط السوريين والمصريين، وكلٌّ يتسابق في تقديم حجته. وفي تلك الأثناء لم تقم الحكومات بالرد، حيث جاءت الردود كمحاولات فردية لمن تبادر بذهنه شيء.
مشايخ القراء
وكان من أهم الردود التي سيقت في هذا الموقف هو تصدير مصر لمشايخ القراء للعالم، مثل: الشيوخ عبد الباسط عبد الصمد، والطبلاوي، ومصطفى إسماعيل، ومحمد رفعت، وغيرهم.
فقد كان قراء مصر هم من أوائل من سجل القرآن لينتشر في العالم، معلنين جمال القرآن بأصوات هبة من الله، ليؤمنوا بمقولة: “القرآن نزل في مكة وقُرئ في مصر”.
حرب اللغة العربية واللهجات
لم تكن حرب اللغة العربية أو اللهجات المتنوعة جديدة، ولكنها إعادة للكثير من المواقف عبر التاريخ؛ حيث تختلف اللهجات للناطقين بالعربية، وينطق البلد الواحد ما يزيد عن عشرات اللهجات. ولكن تظل القراءة العربية الوحيدة المعتمدة هي قراءة القرآن الكريم.
وتعتمد مصر وشبه الجزيرة العربية على قراءة ورش عن نافع، ورواية حفص عن عاصم، حيث نزل القرآن على عشر قراءات، ومنهم سبع مشهورة: نافع المدني، عبد الله بن كثير المكي، أبو عمرو البصري، عبد الله بن عامر الشامي، عاصم بن أبي النجود الكوفي، حمزة الزيات، الكسائي، أبو جعفر المدني، يعقوب الحضرمي، خلف بن هشام. وهذا الاختلاف ليس بكثير، ولكنه اختلاف في حركة تشكيلية أو شكل النطق وصورته، وكل القراءات صحيحة لا خلاف فيها.
تلاوة للقرآن الكريم
وقد جاء الاختلاف في التلاوة لاختلاف الألسنة، ولكن أشهرهم هما ورش عن نافع وحفص عن عاصم. ويجدر بالذكر أن ورشًا هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان، ولقب بورش، وكان قارئًا مصريًا، وتتلمذ على يد الشيخ نافع بن عبد الرحمن المدني الذي كان مقرئ المدينة المنورة. وقد ارتحل ورش إلى مصر ليصبح رئيس القراء في مصر وشمال أفريقيا والأندلس حتى غرب أفريقيا. وقد اشتهرت هذه القراءة بتخفيف الهمز، وتسهيل نطق الألف، وتغيير الإمالة، وأيضًا ترقيق الراء وتغليظ اللام، كما تطبق عليها شروط أخرى تتعلق بالتجويد.
والقراءة الثانية التي تنافس قراءة ورش هي رواية حفص عن عاصم، وهما القراءتان الشهيرتان في تلاوة القرآن بالعالم الإسلامي.
وعاصم هو عاصم بن أبي النجود الكوفي، وروايته هي أشهر الروايات حيث انتشرت في المشرق الإسلامي والهند، وتمتاز قراءته كما ورش بسهولتها ووضوحها لتكون الأخف والأكثر انتشارًا. وقد نقل عنه الرواية ابن زوجته حفص بن سليمان الذي تتلمذ على يده ثم مات بعده بعدة سنوات.
المتابعون لـ “دولة التلاوة واللهجة البيضاء”
حاز برنامج “دولة التلاوة” الذي يذاع يومي الجمعة والسبت الساعة ٩ على قنوات فضائية مصرية مثل cbc, on وقناة الناس، إعجاب المشاهدين. وكان هذا الإعجاب تصريحًا ضمنيًا لشوق المتابع إلى وجود برامج هادفة تساعد على تربية النفس، ومعرفة أصوات جديدة تعيد تسجيل القرآن، خلفًا لموت المشايخ الكبار.
وجاء “دولة التلاوة” جامعًا لجمال اللغة والنطق العربي، وأصوات تقشعر لها الأبدان لجمالها. وقد نفض البرنامج عن الساحة حرب اللهجة البيضاء، وأجمع الجمهور على حب القرآن فقط، كما جاءت تعقيبات الحكام والضيوف تزيد من رونق البرنامج.
فكانت تعقيبات لجنة التحكيم المتمثلة في القارئ الشيخ طه النعماني والشيخ حسن عبد النبي والدكتور طه الدسوقي، في مجملها تنويهات على مخارج الحروف والمدود وأحكام التجويد والقراءة. وضيوف الحلقات حتى لحظة كتابة هذا المقال هي دروس وعبر للأمة الإسلامية، زادت من رونق البرنامج، مثل: د. أسامة الأزهري، والداعية جابر البغدادي، ومصطفى حسني.
فكان برنامج “دولة التلاوة” أول قاتل لكل من حاول زرع الفتنة بين المسلمين والعرب عن طريق اللغة العربية.