الأسبوع العربي

حديث النفس

 

بقلم كاتب الصعيد الاول: حسين ابوالمجد حسن

عن نفسي أتحدث…
وأيُّ نفسٍ هذه التي تتنفس بالحروف، وتعيش على وهج المعاني؟
أكتب أينما أريد، ومتى ما أراد قلمي أن يرقص على السطور،
فالكلمات عندي لا تُستدرج، بل تأتي طائعةً، تسعى إليّ كما تسعى الطيور إلى موطنها الأول بعد غيابٍ طويل.
تنساب على الورق انسياب الشلال، رقراقةً كأنها ماءٌ نزل من علياء الروح، ليغسل عن القلب غبار الصمت.

كنت صغيرًا، لكني كنت كبيرًا بحلمي؛
كنت الأول في التعبير، لا لأنني أحفظ القواعد،
بل لأنني كنت أسمع أنين الحروف وهي تطلب من يُحرّرها.
كنت أرى في الورقة البيضاء مرآةً لقلبي،
وفي القلم سيفًا من نور،
أطوّع الكلمات كما طوّع داوود الحديد،
أصهرها في أتون الشعور، وأسكبها جملاً من نورٍ ووجعٍ ودهشة.

منذ نعومة أظفاري، علمت أن الكلمة ليست مجرد صوتٍ يقال،
بل كائنٌ حيّ، يتنفس حين يُكتب، ويشيخ إن تُرك في الصمت.
كنت أكتب حين ينام العالم، لأن الليل يبوح لمن يكتب،
وكنت أكتب حين يضجّ النهار بالضوضاء، لأن الحرف عندي لا يخاف الزحام.

أكتب لأُشفى، لا لأُظهر ما بي؛
أكتب لأن في قلبي مدينةً من الحكايات تنتظر من يفتح نوافذها،
ولأن في داخلي بحارًا من الصمت لا يخرقها سوى مداد القلم.
الكلمة عندي ليست وسيلة، بل حياة،
وليست ترفًا، بل ضرورة.
هي نبضي إن خفت، وصوتي إن سكت العالم من حولي.

علّمني الحرف أن أرى الجمال في الكسور،
وأن في الجرح معنى لا تراه العيون،
وأن أقسى العواصف لا تُسقط من يكتب بثقة المؤمن بقضيته.
فكل نصٍّ أكتبه هو مرآة لنفسي، وصدى لرحلةٍ بدأت حين أمسكت أول قلم،
رحلةٌ لا نهاية لها ما دام في القلب نبض، وفي الحبر بقاء.

وهكذا…
كلما جلست أمام الورقة، شعرت أني أعود إلى نفسي الأولى،
التي لم تُدنَّسها الحسابات، ولم يُخنقها التكرار،
نفسٌ تُحب الحروف لأنها وطنها،
وتُحب الصمت لأنه مستراحها،
وتُحب الكتابة لأنها طريقها إلى الخلود.
وفي الختام… صوتي الشعري يهمس:

أنا ابنُ الحرفِ، لي وطنٌ على الورقِ،
أُقيمُ فيه صلاةَ المعنى، وأزرعُ فيه أجنحتي.
إذا ضاقَ صدري، كتبتُ… فتنفّسَ العالمُ بي،
وإذا سكتَ الكلُّ، تكلّمتُ أنا بلغةٍ لا تُقالُ إلا بالحبرِ.

أنا لا أكتبُ كي أُعجبَ أحدًا،
بل لأُعيدَ ترتيبَ نفسي بين السطور،
ولأقولَ للعمرِ: إنّي كنتُ هنا…
وإن مرّ الزمانُ، فالحرفُ باقٍ،
والنفسُ التي كتبتْ، لا تموت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى