مقالات

“جنازة الشّاعر الّذي انتحر”

"جنازة الشّاعر الّذي انتحر"

قراءة نقديّة وتحليليّة لقصيدة
“جنازة الشّاعر الّذي انتحر”
للشّاعر التّونسي “المولدي فروّج”

* بقلم : الدّكتورة ” نور بوعزيز” _ تونس

حينما يكون الشّاعر مهووسا بالمجال الإبداعيّ،
فلن تجده ينتهج نهج الأسلاف أو نهجا سائدا ومألوفا
في الكتابة الإبداعيّة. سينحت ممّا تجود به قريحته بلغة متفرّدة بعيدا عن الجحود والتّقليد.

ولأنّ النّتاجات الأدبيّة تُجبر أصحابها أن يشقوّا طرقا محفوفة بالمخاطر والعصيان. فإنّ شاعرنا التّونسيّ “المولدي فرّوج” كان شاعرا متمرّدا ومحتفيا بسلطة الكلمة في كثير
من قصائده؛ ومشجّعا الأقلام المبدعة في مستهلّ تجاربها.

أليس هو القائل: ” أحببتُ الشّعرَ حبّا مُبهما
وأحببتُ الشّعراءَ” (1). ولأدلّ على ذلك، مبادرته الرّائدة
الّتي توثّق الإبداع من خلال إنشاء فضاء للشّعر التّونسيّ والعربيّ في ذاكرة مكتبة صوتيّة تحفظ للمبدع نتاجه الأدبيّ بصوته وآدائه. ولأنّ الشّعراء رُسلُ زمانهم، فقد انفرد المبدع “المولدي فرّوج” بحسّ إبداعيّ، وبرسم بصمته في السّاحة الأدبيّة. فاستلهم من معجم الموت قصيدة عربيّة معاصرة وسمها بعنوان “جنازة الشّاعر الّذي انتحر” من ديوانه
“دعي الكلام لي” وهو خامس دواوينه المنشورة.
وقد كلّفه هذا النّصّ الشّعريّ حسب قوله ” تَعَبًا لَا يُنْسَى”.
لأنّ قصيدته نُظِمت احتفاء بالرّئيس في عيد ميلاده الّذي كان يزور فيه قبره وهو حيّ. فبكلّ براءة جعل الشّاعر له جنازة في قالب قصيدة وشّحها بتصدير “المَوْتُ نَوْعَانِ: مَوْتٌ يُبكِيكَ فِيهُ الأَهْلُ وَمَوْتٌ تَبْكِي فِيهِ نَفْسُكَ”. وقد مثّلت عتبة التّصدير نوعا من الاستشهاد، إن لم نقل أنّه الاستشهاد في حدّ ذاته (2)، ونصّا موازيا منح القارئ لمحة عن مضمون القصيدة وتوجيهه نحو المرجوّ فهمه انطلاقا من عمليّتيْ التّفسير والتّأويل.

ولأنّ الشّاعر التّونسيّ” المولدي فرّوج” حسب عبارة الدّكتور “محمدّ البدوي”-رحمه اللّه” “مسكون بهاجس الشّعر…
وبحبّ الوطن “(3) فنلفيه قد انشغل عن سابقيه بضروب
من التّجريب، أو الإغماض أو الاختفاء وراء الأقنعة والأساطير في ارتباط وثيق بالذّات في أزمتها الوجوديّة(4). فهذه القصيدة نظمها صاحبها في ظرف خاصّ،
كانت فيه الرّقابة مسلّطة على جلّ المبدعين
الّذين انشغلوا بانتقاد الحياة السّياسيّة.

لذا استمدّ “المولدي فرّوج” من معجم الموت “جنازة، انتحر، موت…” لغتها، ومن اللّغة الطّبيّة ” النّبض، غيبوبة” رونقها وطرافتها، ومن السّجلّ الدّينيّ ” لَأقسمُ، الصّلاة” هيبتها.

فكيف كان شكل الانتحار؟ هل كان انتحارا مألوفا أم عجيبا؟

عُرف الشّاعر “المولدي فرّوج” بتفضيله مملكة القصيد الخالدة على ممالك السّاسة والسّلاطين الفانية.
لأنّه مؤمن بأنّ سلطة الحرف أعتى وأقوى
وأعنف من بطش الحكّام. فأراد عبر هذه القصيدة
رصد العديد من مظاهر الغرابة محاولا إعادة ترتيب
المشهد الحياتيّ، بطرح قضايا وجوديّة موظّفا ضمير
الأنا المفرد مضمرا في مفتتح قصيدته قائلا: ” لِيَ الآنَ”.

وبهذه العبارة المكرورة في السّطرين الأوّل والخامس،
فقد حافظ الشّاعر “المولدي فرّوج” على اتّجاه الشّعراء المعاصرين؛ غير أنّه انزاح عن دائرة الرّتابة والاتّباع.

فأعلن في البداية بأنّه حرّ في اتّخاذ قرار “الانتحار الأنانيّ” الّذي ترجع أسبابه إلى معطيات شخصيّة وقضايا فرديّة، قائلا:

” لِيَ الآنَ مُتَّسَعُ الوَقْتِ […] سَأُقَرِّرُ فِيهِ انْتِحَارِي لِيَ الآنَ
كُلّ المَسَافَةِ” ولا يفتأ “المولدي فرّوج” أن يستعرض مهمّة الشّاعر الّذي يحمل على عاتقه رسالة يريد إيصالها مهما كلّفه ذلك من ثمن في زمن انقلبت فيه الموازين والقوى.

فغدا الأصل فرعا مهمّشا، وأصبح المزيّف مُصلحا ومُرشدا. فما كان أمامه سوى أن يمزج بين السّجلّ الاجتماعيّ
“متّسع الوقت، سأقرّر، المسافة، الاختصار، الشّوارع، البيوت، البلاد” ومعجم الموت ” أموتَ، سيقتلنِي، انتحاري،
النّبض في شبه غيبوبة، ودّعتنِي، أن أفارقَ عقلي”
ليتيح الفرصة أمام الصورة الشّعريّة كي تتجلّى بمقدار جماليّتها وفتنتها في جذب انتباه المتلقّي؛
خصوصا إذا ما عثرنا لاحقا في ثنايا النّصّ الشّعريّ
على ربط السّجلّ الوطنيّ بالسّجلّ العاطفيّ،
وتوجيه القارئ نحو ما يريده الشّاعر؛ في قوله:
“مَشَى النَّبْضُ فِي شِبْهِ غَيْبُوبَةٍ ثُمّ أَلْقَتْ عَلَيَّ الشَّوَارِعُ مِنْدِيلَهَا وَدّعَتْنِي البُيُوتُ شَدَدْتُ البِلاَدَ عَلَى رَاحَتِي
وَانْتَفَضْتُ كَمَا الأُخْطُبُوطِ فَهَلْ كَانَ لاَ بُدَّ لِي أَنْ أُفَارِقَ عَقْلِي لِكَيْ لاَ يُفَارِقَنِي وَطَنُ عَنْكَبُوت؟”

وإذا ما أمعنّا النّظر في لغة “المولدي فرّوج” فإنّها لغة يسيرة “واضحة لا تلجأ إلى غريب اللّفظ أو بعيد الاستعارة،
يدركها الدّاني والقاصي في الالمام بالقول الشّعريّ”(5).

بيد أنّ هذه القصيدة رغم بساطة لغتها فإنّ معجمها الشّعريّ ورد متنوّعا، وجاءت منمّقة بأقسام البلاغة ومُثقلة بالمعاني.

وتراوحت الذّات المتلفّظة بواسطة علم المعاني
بين المفعوليّة “وَدَّعَتْنِي” والفاعليّة “انتفضتُ” فبثّت الرّيبة في فكر القارئ من خلال الرّمز الشّعريّ ذي الوقع المؤثّر والمقترن بطبيعة الموضوع “وطن عنكبوت”.

وأجبرته على طرح عديد الأسئلة الآتية:
ما علاقة الشّعر بجنازة الشّاعر؟ ومن المقصود بهذه القصيدة؟ ولِمَ اختار الشّاعرُ نهج التقيّة كأسلوب لإثارة بعض قضايا الواقع الإنسانيّ على متن فضائه الشّعريّ؟

المبدع التّونسيّ “المولدي فرّوج” كان واعيا بما يدور
في السّاحة الأدبيّة وفي الواقع المعيش من مفارقات ومناكفات، فقد وجد الوصفة الطبيّة المناسبة لمعالجة الرّاهن؛ إذ وحّد بين الماضي “شددتُ، انتفضتُ، كانَ” والحاضر،
أن أفارقَ، لاَ يُفارقنِي” على متن نصّ شعريّ تتغيّر أصواته وأزمنته بنهج منقطع النّظير.

لذلك؛ كانت قصيدته جديرة بالاهتمام والنّقد لأنّها تستوجب قارئا محنّكا لفهمها واستيعابها فنيّا،
لا سيّما وأنّنا نعثر في ثنايا الأسطر الشّعرية على أنماط مختلفة للخطاب [السّردي، التّقريري، الحواريّ] مكّنت الذّات النّاشئة من تحويل القضايا اليوميّة إلى قضايا شعريّة
أجبرت الذّات المنشئة على ممارسة فعل الجنون
حتّى يظلّ الوطن ملتصقا بها ” شَدَدْتُ البِلاَدَ إِلَى راحَتِي وانتفضتُ كَمَا الأُخْطُبُوطِ” ولأنّ ماهيّة الوطن عند الشّعراء

هي انتماء وهوَيّة وارتباط عاطفيّ ووجدانيّ.
فيقدّم الشّاعر متانة هذه العلاقة من خلال التّشبيه المجمل “انتفضتُ كما الأخطبوط”، ثمّ نلفيه ينهل من النّموذج الشّعريّ معتمدا الحكاية، جاعلا قلمه ينزف شعرا. وحسب عبارة الدّكتور “محمد البدوي”: “ومَن كان مسكونا بالنّصوص القديمة ليس غريبا أن يعشق الحكي، خاصّة إذا ما كان كاتبا ومسرحيّا كالمولدي فرّوج”(6).

فقد أدرج الشّاعر في قصيدته أدوات السّرد سعيا منه
إلى الاستفادة من طاقاتها التّأثيريّة.
وكان لفعل السّرد “رَوَى” وفاعله “عَابِرٌ” وقعا على فكر المتلقيّ. إذ استمدّت الذّات المتلفّظة من معجم الموت معجما جديدا هو معجم الأمل والبُشرى. فغدا فعل الموت مرادفا لحياة أفضل وأكثر إشراقة.

وهذا ما جعل الشّاعر ينزاح عن السّائد؛ ويبحث عن شكل تعبيريّ فريد يتوافق مع ذاته الحائرة فاختار تقنية مستحدثة في الشّعر العربي الحديث والمعاصر؛ ألا وهي اعتماد تقنية القناع بتوظيف لفظة “عابر” الّتي هي في حقيقة الأمر مرآة عاكسة لصورة الذّات الشّاعرة في محاولتها التّمرّد
على مظاهر الجمود والمألوف. وهذا نصّ القصيد:

” روَى عَابِرٌ جَرَّبَ المَوْتَ عِشْقًا فَقَالَ: هُوَ المَوْتُ طَعْمُ بِشَارَهْ” أمّا نهاية القصيدة فقد طغى عليها الطّابع الصّوفيّ،
فتتجلّى لنا القصيدة في مرتبة مرموقة؛ تنتمي إلى عالم المثل والفضائل. حيث وظّف الشّاعر لفظة “قصيدا”
عوض مفردة قصيدة؛ ليثبت بأنّ مقوّمات الشّعر بعيدة
كلّ البعد عن اللّغو والحشو.
هذا يعني، أنّه ضمنيّا فصل بين ” الشّعر والشّعير”.
ثمّ اعتمد أسلوب القسم ” لَأقسمُ” ليزيد لغته متانة وقوّة حتّى يبعث في نفوس قرّائه الطّمأنينة بصحّة كلامه،
وبأنّ القصيدة الجيّدة تتطلّب قارئا جيّدا وذوقا رفيعا.
ومن ثمّة بيان علوّ قدر المُقسِم الّذي يرتبط بمعاشرة القصيد بأسلوب النّفي قائلا: “فَمَنْ لَمْ يُعَاشِرْ قَصِيدًا لَأُقْسِمُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ… خَسَارَهْ”

وفي هذا الإطار، يمكننا استحضار ما قاله
الدّكتور “محمد البدوي” في مقدّمة ديوان “دعي الكلام لي”:

” وانطلاقا من هذا الإيمان الصّوفيّ بالكلمة لا يتردّد شاعرنا في جعل الشّعر في مرتبة الإيمان ويقرّر فمن لم يعاشر الشّعر لأقسم أنّ الصّلاة عليه خسارة” (7).

ولعلّ ما جاء في ختام هذه القصيدة يؤكّد للقرّاء والنّقّاد
ما تلفّظ به شاعرنا سابقا ” لم أقلْ أحتاجُ إلى رفيقِ أو ناقدِ
بل ربّما يحتاج النّاقدُ إلى شعري ليعرف لماذا لمْ أتوقّفْ
عن كتابة الشّعر”(8).

في ختام هذه القصيدة، أوجّه أجمل عبارات التّقدير
إلى المبدع التّونسيّ “المولدي فرّوج” الّذي أتاح لي الفرصة بقراءة نصوصه الشّعريّة وبالاطّلاع عليها.

ومكّنني في مناسبات شعريّة من إنماء حسّي النّقديّ
بفضل نصائحه وإرشاداته الّتي مدّني بها على طبق من ذهب.

مؤكّدا في معرض حديثه عن قداسة مملكة القصيدة. مردّدا “يؤسّس الملك مملكته ويبني الشّاعر قصيدته.
والقصيدة أفضل من المملكة لأنّها لا تخون أبدا”(9).

وفي هذا الشّاهد إقرار بأنّ القصيدة بيت الشّاعر وملاذه عندما تخونه كلّ القوى المعادية، ويهاجمه الدّخلاء.
فاختار مبدعنا التّونسي أن يختفي في هذه القصيدة
وراء قناع الغريب بهدف الوقوف على جوانب جديدة
من حياة المبدع العربيّ وهو يتفنّن في استعراض ارهاصاته وصنعته العجيبة في قول الشّعر.
في المقابل يقدّم المخاطر الّتي تهدّده في ظلّ واقع
يتّسم بالعدم.

الهامش: (1) فرّوج (المولدي)، دعي الكلام لي، مقدّمة محمّد البدوي بعنوان “البقاء للشّعر والوطن…” دار المعارف –سوسة-تونس، ط 2000، ص. 5.

(2)رشام (فيروز)، شعريّة الأجناس في الأدب العربيّ: دراسة أجناسيّة لأدب نزار قبّاني، تحميل مباشر من مكتبة شغ، ط،2017 ص. 198.

(3) م. ن، ص. 5.

(4) م. ن، ص. 5.

(5) فرّوج (المولدي)، دعي الكلام لي: مقدّمة محمد البدوي: البقاء للوطن والشّعر…”، ص. 6.
(6) م. ن. ص. 7.
(7) م.

    ن

. ص.6.

(8) فرّوج (المولدي)، دعي الكلام لي، مقدّمة الكتاب:
سؤال في الشّعر، ص. 10.
(9) م. ن. ص.8.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى