الأسبوع العربيمجلة الأديب العربي

العيش والملح ما يتكسروش

من أمثلة خالتي بهانة
«العيش والملح ما يتكسروش»

نعمة حسن / كتبت

خالتي بهانة كانت تقول المثل ده وهي بتقفل إيدها كأنها ماسكة حاجة غالية، وتبصّ للشخص اللي قدامها بنظرة ما فيهاش هزار.
«العيش والملح ما يتكسروش»
مش جملة عابرة، ولا حكمة خفيفة، ده قانون أخلاقي مصري قديم، اتكتب من وجع وتجارب وخيبات، واتحفظ في البيوت قبل الكتب.
العيش والملح في ثقافتنا مش أكل، ده عشرة.
العيش تعب، والملح صبر.
العيش ستر، والملح أمان.
واللي دخل بيتك وأكل من خيرك، ما دخلش معدته بس، ده دخل دائرتك الإنسانية، دخل حرمة المكان، دخل حِتة المفروض تكون مصانة مهما حصل.
عشان كده المثل ده اتقال، مش علشان يمنع الخلاف، لكن علشان يمنع الخِسّة.
ممكن نختلف، ممكن نزعل، ممكن نخاصم،
لكن اللي يكسر العيش والملح يبقى كسر نفسه قبل ما يكسر غيره.
خالتي بهانة كانت تقول إن أخطر نوع بشر هو اللي يطلع من بيتك شبعان ويطلع لسانه طويل.
تاكل وتضحك وتتعامل باحترام، وبعدين تخرج تسيء، وتغدر، وتهرس في السمعة، كأن اللقمة كانت رخيصة، وكأن الكرم كان غباء.
ده مش خلاف، ده سقوط.
المثل ده مش بيدافع عن الطيبة، ولا بيبرر السذاجة،
المثل ده بيحاكم الأصل.
بيقول إن اللي خان العيش والملح، عمره ما كان مضمون، وإن اللي استهان بالعِشرة، استهان بنفسه قبل أي حد.
اللي ياكل من خيرك ويأذيك بعدها،
مش قوي، ولا ذكي، ولا “بيعرف يلعبها”.
ده إنسان ناقص أصل، مهما لبس، مهما ركب، مهما علا صوته.
الأصل ما بيتقاسش بالنجاح، بيتقاس بالمواقف،
وأول موقف بيبان فيه الأصل هو لما المصلحة تخلص.
خالتي بهانة كانت دايمًا تختم وتقول:
العيش والملح ما يتكسروش… واللي يكسرهم، يتكسر في عين نفسه حتى لو ما اعترفش.
وساعتها تسكت، لأن المثل لوحده كان كفاية.
النهارده، وإحنا في زمن الاستعراض والسرعة ونسيان الجميل، المثل ده مش قديم، ده ضروري.
ضروري نفتكر إن البيوت مش محطات،
وإن المعروف مش ضعف،
وإن اللي احترمك في عز قوته، يستاهل تحترمه حتى بعد ما تقدر تمشي.
العيش والملح ما يتكسروش
مش لأن الناس ملايكة،
لكن لأن اللي يحافظ عليهم…
بيحافظ على آخر حتة إنسانية جواه.
خالتي بهانة اللي تعلّم وما تجرحش إلا اللي يستاهل.
اسمع كلام خالتك بهانة .
مع تحياتي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى