ليست التحريات سوى وسيلة من وسائل جمع المعلومات، غايتها أن تنير الطريق أمام العدالة لتتبين ملامح الحقيقة. فهي لا تُعد دليلاً قاطعًا بذاتها، وإنما مؤشر يقود إلى البحث والاستقصاء. ومن ثمّ، فإن سلامة إجراءاتها وحياد القائمين بها ركن أساسي في بناء الثقة بينها وبين القضاء.
غير أن الخطر الأعظم يكمن حين يصبح من يجري التحريات هو نفسه من يتولى إجراء الضبط. ففي هذه الحالة، يفقد الإجراء أخطر ضماناته، إذ يتحول الضابط من باحث محايد عن الحقيقة إلى خصمٍ يجمع بين دور المُبلِّغ والمنفِّذ والشاهد في آن واحد.
إن اجتماع هذه الأدوار في شخصٍ واحد يخلّ بمبدأ الحياد، ويضعف قيمة التحريات كوسيلة استدلال. فالقانون لم يُبنَ على الشبهات وحدها، وإنما على البينات التي يُمحصها العقل وتزنها العدالة بميزان راسخ. فإذا كان محرّك الدعوى الجنائية هو ذاته من أجرى التحريات، فكيف نطمئن إلى أن الإجراء لم يَسِر في اتجاهٍ واحد منذ لحظة ميلاده؟
إن خطورة هذا المسلك تكمن في أنه يُعرّض الدعوى برمّتها للاهتزاز، إذ يغدو الدليل مشوبًا بالريبة، ويتحول من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة قد تُستعمل لتأكيد قناعة سابقة في ذهن القائم به.
والأصل أن تُفصل الأدوار: من يجري التحريات ليس هو من يتولى الضبط، حتى تظل العدالة متماسكة، وحتى لا يختلط طريق البحث عن الحقيقة بمزالق الهوى والافتراض.
وهنا نهيب بالمشرع المصري أن يتدخل لوضع قواعد فاصلة بين مُجري التحريات والقائم بالضبط، والذي يكون في الغالب هو ذاته مستصدر إذن النيابة سواء بالقبض أو التفتيش. فهذا الخلط يُصيب العدالة في مقتل، ويضر بها أكبر الضرر. ومن ثمّ فإن الحاجة مُلحة لإنشاء جهة
شرطية متخصصة لإجراء التحريات، تتمتع بالنزاهة والاحترافية، وتوثق ما تقوم به عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة، تحت إشراف قضائي أو تحت رقابة جهات التحقيق، حتى يكون الطريق إلى الحقيقة واضحًا والعدالة مصونة.