أخبارالأسبوع العربيالسياسية والعسكرية

……اتفاقية إبراهام……

اتفاقية إبراهام: سلام المصالح أم تفكيك الثوابت

بقلم: خالد مراد

لم تكن اتفاقية إبراهام مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل لحظة فاصلة تكشف عن انحراف حاد في مسار السياسة العربية، حيث تم استبدال خطاب الحقوق والتاريخ بلغة المصالح والحسابات الباردة. فهي اتفاقية كُتبت حروفها بالحبر السياسي، لكنها قرئت في الوجدان العربي بقلقٍ عميق وتساؤلات حارقة.

الدول المنضمة إلى اتفاقية إبراهام ومغزى الانضمام

لم يكن انضمام الدول العربية إلى اتفاقية إبراهام قرارًا عاطفيًا أو ارتجاليًا، بل جاء نتاج حسابات دقيقة لكل دولة وفق موقعها الجغرافي، ووضعها السياسي، وطموحاتها الاستراتيجية. ورغم اختلاف الدوافع، فإن القاسم المشترك بينها كان تقديم المصلحة القُطرية على الالتزام الجماعي العربي.

الإمارات العربية المتحدة – من القوة الناعمة إلى شراكة استراتيجية

مثّل انضمام الإمارات تحولًا نوعيًا في سياستها الخارجية، حيث سعت من خلال الاتفاقية إلى:

ترسيخ نموذج الدولة المؤثرة العابرة للصراعات التقليدية.

تسريع الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

تعزيز موقعها كشريك استراتيجي لواشنطن في مرحلة إعادة التموضع بالمنطقة.

لقد أدركت الإمارات أن إدارة الصراع أقل كلفة من الاستمرار فيه، حتى وإن جاء ذلك على حساب الإجماع العربي التقليدي.

مملكة البحرين – التطبيع كدرع أمني

انضمام البحرين يعكس فهمها العميق لبيئتها الجيوسياسية الحساسة. فقد تعاملت المنامة مع اتفاقية إبراهام باعتبارها:

أداة لتعزيز أمنها الوطني ضمن منظومة تحالفات أوسع.

رسالة سياسية واضحة بالاصطفاف ضمن المحور الأمريكي–الإقليمي.

خطوة محسوبة ضمن سياق جماعي أكثر منها قرارًا سياديًا منفردًا.

وهكذا، جاء التطبيع البحريني ترجمة حية لسياسة الاحتماء والتحالف.

المملكة المغربية – التطبيع مقابل مكاسب سيادية

يُعد النموذج المغربي الأكثر وضوحًا من حيث المقابل السياسي المباشر، إذ ارتبط الانضمام باعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ما يجعل الاتفاقية بالنسبة للرباط:

صفقة استراتيجية ذات عائد سيادي ملموس.

إعادة ترتيب للأولويات الوطنية فوق الاعتبارات القومية.

توظيف المتغيرات الدولية لخدمة قضية مركزية للدولة.

وهنا لم يكن التطبيع غاية، بل وسيلة لتحقيق مكسب تاريخي.

السودان – التطبيع تحت وطأة التحولات

دخل السودان مسار اتفاقية إبراهام وهو يمر بمرحلة سياسية هشة، ما جعل قراره أقرب إلى استجابة للضغوط الدولية منه إلى قناعة استراتيجية راسخة. وقد سعى من خلاله إلى:

فك العزلة الدولية المتراكمة.

رفع اسمه من قوائم العقوبات.

الحصول على دعم اقتصادي عاجل.

غياب التوافق الداخلي حوّل الاتفاقية إلى ملف خلافي أكثر من كونها مشروع دولة مستقر.

الدلالة العامة للانضمام

يكشف انضمام هذه الدول أن اتفاقية إبراهام ليست مسار سلام بقدر ما هي إعادة تموضع استراتيجي متقن، حيث:

تحولت الدول من منطق الصراع إلى إدارة المخاطر.

تراجعت القضية الفلسطينية من شرط أساسي إلى ملف مؤجل.

أصبح التطبيع أداة تفاوض لا نهاية لمساره.

وبذلك تحولت الاتفاقية إلى مرآة تعكس واقع النظام العربي الراهن، لا طموحاته التاريخية.

الموقف العربي والفجوة الشعبية

رغم التوقيع الرسمي، ظل الشارع العربي متحفظًا، مدركًا أن السلام الحقيقي لا يولد من غرف مغلقة، ولا يُفرض من أعلى. واتسعت الفجوة بين القرار السياسي والإرادة الشعبية، لتؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت حية في الضمير الجمعي، مهما تبدلت الاصطفافات.

قراءة ختامية

اتفاقية إبراهام ليست نهاية الصراع، بل إعادة صياغته. ليست سلامًا شاملًا، بل هدنة مصالح دقيقة ومتقنة. سلامٌ لا يقوم على العدالة يظل هشًا، قابلًا للانفجار عند أول اختبار حقيقي.

وتظل الحقيقة الكبرى عصية على التزييف: لا سلام دائمًا في الشرق الأوسط دون إنصاف الفلسطيني، ولا استقرار حقيقي يُبنى على تجاهل الجذور. بين الشعارات والوقائع، تظل اتفاقية إبراهام شاهدة على زمنٍ قدّمت فيه المصالح على المبادئ، والتاريخ على طاولة المساومة.


 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى