
أنا الحب ذاته
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
كم أمضيتُ من العمر وأنا أجوب هذه الطرقات الموحشة، أبحثُ في الوجوه، وأتفرسُ في الملامح، ظناً مني أني أفتقدُ شيئاً ما غاب عني. كنتُ أظن أني تلك المسافرة التي أضاعَت بوصلتها، تبحثُ عن “الحب” كأنه ميناءٌ بعيد سأرسو عليه يوماً فأرتاح من عناء السفر.
كنتُ أتعمدُ الابتسام في وجه الغريب الذي لا أعرفه، ليس رغبةً في كسب وده، بل لأني كنتُ أشعر بفيضٍ داخلي يجبرني على الانسكاب. كنتُ أرفعُ يدي لألوح لأولئك الأطفال الصغار، وأنا أشعر برعشةٍ في روحي، كأني أحتضنُ فيهم براءتي الضائعة.
وحين كان يمرُّ بي ذلك الصوت الحزين، نداءُ سيارة الإسعاف الذي يملأ المدى صخباً، كنتُ أصمتُ رغماً عني. كانت كلماتي تتحولُ في صدري إلى دعواتٍ صامتة، تتصاعدُ كبخورٍ نحو السماء: “يا رب، امنحهم الشفاء، اعدهم لأهلهم سالمين”. كنتُ أشعرُ بألم أولئك الغرباء الذين لا أعرفهم، كأنه يسري في عروقي أنا، فأتمنى لهم العافية وكأنها نجاتي الشخصية.
أما جلساتي مع العجائز، فكانت موعدي المفضل مع التاريخ. كنتُ أهيمُ في تفاصيل حكاياتهم، أنصتُ بإجلالٍ لكل كلمة يرتجفُ بها صوتهم، كأن الزمن بكل ثقله ووقاره قد اختار أن يجلس بجانبي ليطلعني على أسراره. كنتُ أرى في قصصهم مرايا، وفي تجاعيدهم حكماً لم تكتبها الأقلام.
ولكن.. يا لنفسي!
بعد كل هذا السعي، وبعد أن أرهقني المسير وناء كاهلي بحمل التوق والانتظار، توقفتُ أخيراً لألتقط أنفاسي. نظرتُ إلى انعكاسي في مرايا الحقيقة، وسألتُ روحي “عن ماذا تبحثين؟ ولماذا تطوفين العالم وفي داخلكِ كل هذا الضجيج؟”.
وفي لحظة سكونٍ مهيبة، تجلت لي الحقيقة كشمسٍ أشرقت بعد ليلٍ طويل. أدركتُ حينها يقيناً أني لم أكن يوماً تائهة، ولم أكن يوماً ناقصة أنتظر من يكملني. أدركتُ أني لم أكن أبحث عن الحب في قلوب الآخرين، بل كنتُ أبحث عن الطريق الذي يوصلني إلى حقيقة نفسي.
أنا لم أكن أبحث عن الحب.. أنا كنتُ الحب ذاته. أنا الابتسامة التي أهديتها، وأنا الدعاء الذي أرسلته، وأنا الإنصات الذي منحته، وأنا الرحمة التي وسعت الغرباء. لقد كنتُ الوجهة والمسافر في آنٍ واحد، وكل الطرق التي سلكتها لم تكن إلا لتعيدني إليّ.. إليّ أنا، حيث يسكن الحب الذي لا ينضب.





