
غيابك هد دنيتى
بقلم / سهير محمود عيد
الغياب عمره ما كان مجرد لحظة صمت بين اتنين، ولا فجوة بسيطة بتتسد مع الوقت. أحيانًا بييجي زي وجع مفاجئ، يدخل من غير ما يخبط، ويحتل كل حتة في روحك. غيابك أنت تحديدًا ماكانش فراق عادي… ده كان روح، نقطة انهيار، بداية مرحلة معرفتش منين ولا إزاي أتجاوزها.
كنت دايمًا بسمع إن الزمن بيهدي، وإن الحزن بيتحلل لوحده، وإن اللي يروح ييجي أحسن منه. كلام سهل أوي يتقال… لكن اللي يجرب وجع الغياب يعرف إن مفيش “أصعب منه”، ومفيش وقت كافي يعالج فراغ حد كان واخد مكانه في القلب بعمق. أنت غبت… لكن مشيت بطريقتك، بخطوة محدش سمعها غيري، وطول الوقت بحاول أفهم: هل كنت عارفة إنك لما تمشي هتسيبني بالشكل ده؟
عشت أيام طويلة كنت بفتّش فيها عنك في التفاصيل الصغيرة. في مكان كنت واقفة فيه، في كلمة قلتها مرة، في أغنية كنت بتحبها. الناس افتكرتني قوية… وأنا كنت بانام كل ليلة أكتم انفجار كان جوّايا. مش صعوبة إنك مش موجود… الصعوبة إن أثر وجودك لسه ما بيروحش.
في الغياب، اكتشفت أد إيه الإنسان بيتعلق بالماضي حتى لو وجعه. يمكن عشان الماضي محفوظ ومش بيتغير، يمكن عشان إحساس الأمان كان هناك. بس لما تبص قدام، تلاقي الطريق فاضي، وأنت بس اللي بتمشي فيه لوحدك. فيه فراغ محدش بيعرف يملاه، لا ناس جديدة، ولا ضحك جديد، ولا محاولات الهروب اللي بتعمليها عشان تظهري “تمام”.
في وقت معين بدأت أسأل نفسي: هو أنا ليه موجوعة بالشكل ده؟
لقيت الإجابة مخبية جوا حقيقة واضحة…
إنك كنت مهم. مش مجرد علاقة، ولا ذكرى عابرة… كنت وجود. ولما الوجود يختفي، الروح بتترنّح، وتبقى محتاجة وقت طويل عشان تتوازن.
بس وسط الوجع، كان فيه حاجة تانية بتكبر جوايا…
قوة.
قوة مدفونة تحت انهيارات كتير. قوة بتقولّي: “امسكي نفسك… مش كل اللي بنحبهم يستحقوا يكسّرونا”.
وابتديت أفهم إن الغياب مش بس بيوجع… ده بيكشف.
بيكشف حقيقة الناس… وحقيقة نفسك كمان.
بيكشف إن اللي كان قادر يمشي، ماكانش أصله ثابت. وإن اللي يحب بجد، مايسيبش وراه خراب بالمنظر ده.
ومع الأيام…
ماقولتش إن الوجع راح، ولا إن النسيان جه.
لكنّي بقيت أقدر أشوفك من بعيد من غير ما قلبي يقع.
بقيت أعرف إن في ناس ممكن تسيب جرح، بس الجرح ده مش نهاية.
بالعكس… ساعات بيبقى بداية فهم، بداية نضج، بداية إدراك إن اللي ضاع… مكنش نصيب من الأول.
غيابك هزّ قلبي…
بس ماكسّروش.
رجّعني لنفسي، خلّاني أشوف أد إيه أنا أقدر أقف مهما كنت موجوعة.
ويمكن في يوم ما، لما أفتكر كل ده، هبتسم… مش لأنك جيت، لكن لأنّي نجيت.
الغياب وجع…
بس هو كمان علامة إن قلبي كان حي.
ودي وحدها كفاية تخليّني أقف تاني…
وأكمّل… من غيرك.





