
حين يصبح التبرير عاده
بقلم: ريمون عصام خليل
محلل للشأن العام وكاتب الخبطة الاستقصائية
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة
في تفاصيل حياتنا اليومية الميدانية، قد يقع المرء في الخلل الإجرائي أو السلوكي فيواجه خطأه بجرأة الحقيقة والمكاشفة، بينما يسارع آخر فوراً إلى البحث عن مبرر شكلي يحمي به صورته الذهنية أمام ذاته والمحيطين به. وبين شجاعة الاعتراف بالخطأ ومرارة الهروب منه تتشكل مسافة قد تبدو في بدايتها ضئيلة، لكنها تتمادى مع الوقت لتستحيل عادة متجذرة يصعب الفكاك من قيودها.
فالتبرير لا ينطلق عادة بكذبة مفضوحة أو ادعاء صارخ؛ بل يتسلل عبر مفردات تبدو في ظاهرها سائغة ومنطقية: «لم يكن أمامي خيار آخر»، أو «الجميع يمارس السلوك ذاته»، أو «لم تكن لدي نية سيئة»، أو «الظروف الميدانية هي من فرضت هذا المسار». ومع التكرار النمطي لهذه الذرائع، يتحول التبرير من مجرد محاولة استثنائية لتفسير موقف طارئ إلى آلية دفاعية دائمة للتحلل من المسؤولية الأخلاقية والمهنية.
وهنا تحديداً تبدأ الكارثة وتتوارى النزاهة.
إن الفرد الذي يعتاد صناعة الأعذار وتسويغ سقطاته، يحرم نفسه كلياً من الفرصة الحقيقية للتعلم والارتقاء الذاتي؛ نظراً لأنه بدلاً من التشخيص الدقيق لمكامن الخلل الذاتي، يستنزف طاقته الذهنية في إثبات أن البيئة المحيطة أو الآخرين هم السبب الأول والأخير. ومع توالي الأيام، تتكرر الأخطاء بذاتها وبسيناريوهاتها المتطابقة، وتتآكل قدرة الإنسان على المراجعة النقدية، حتى يستحيل الاعتراف بالحقيقة المجردة أشداً وأقسى على النفس من ارتكاب الخطأ ذاته.
والجانب الأكثر خطورة هو أن ثقافة التبرير لا تظل محبوسة في نطاق الأفراد؛ فعندما تتسرب إلى أروقة المؤسسات والمجتمعات، يستحيل كل تقصير إداري أمراً قابلاً للتفسير، ويتحول كل خلل هيكلي إلى واقع يجري تجميله بالكلمات، وتُجهز الشماعات والذرائع لكل نتيجة سلبية ومحبطة. وفي نهاية المطاف، تضيع الحقيقة الاستقصائية وتتلاشى المعايير في المحيط المترع بالمبررات الواهية.
لكن الوعي المستنير والمسؤول لا يطالبنا بجلد الذات أو المبالغة في جلد الضمير؛ بل يقتضي امتلاك الشجاعة الكافية للتمييز الفاصل بين المعطيات والظروف الواقعية التي تخرج عن نطاق سيطرتنا، وبين القرارات والخيارات التي كان بمقدورنا اتخاذها بصورة أكثر حكمة ودقة.
وفي الحقل العملي والإعلامي تحديداً، تغدو هذه المسؤولية ذات أولوية فائقة؛ فالخطأ غير المحسوب قد تمتد آثاره لتضر بشرائح واسعة، والتذرع بالأعذار بعد وقوع الضرر لا يمحو تبعاته من الواقع الميداني. ولذا، فإن المراجعة الدقيقة للنصوص قبل النشر، والتحقق المستمر من صحة البيانات، والاعتراف المباشر بعدم التمكن من استكمال أدوات المادة، ليس إطلاقاً مظهر عجز أو ضعف؛ بل هو البرهان القاطع على النضج المهني واحترام عقل القارئ.
قد لا نملك آليات منع الخطأ من الحدوث مطلقاً، لكننا نملك كلياً إرادة منع أنفسنا من تحويله إلى سلوك يومي ونمط حياة. ففي كثير من الأحيان، لا تكمن الخطورة الفائقة في حدوث الخطأ ذاته، بل في أن نعتاد اختلاق الأعذار له حتى نفقد القدرة على التمييز والإبصار.
والحكمة التي تستحق أن تبقى معنا:
من اعتاد تبرير خطئه، حرم نفسه فرصة إصلاحه.
ملخص الموضوع ببساطة:
المقال بيتكلم عن عادة التبرير وخلق الأعذار وإزاي بتدمر فرصة الإنسان والمؤسسات في التطوير والإصلاح.
فكرة المقال متلخصة في نقاط بسيطة:
* بداية الفخ: التبرير بيستخبى وراء جمل سهلة زي «الظروف هي السبب» أو «كل الناس بتعمل كده»، ومع الوقت بتتحول الجمل دي لطريقة دائمة للهروب من المسؤولية.
* ضياع فرصة التعلم: اللي بيعود نفسه على التبرير مش بيتعلم من أخطائه؛ لأنه بيفضل يرمي اللوم على اللي حواليه، فيكرر نفس الغلط وتصير الحقيقة بالنسبة له أصعب من الاعتراف.
* تأثير التبرير على المؤسسات: لما الفكرة دي تتنقل للمجتمع أو الشغل، كل تقصير بيبقى ليه حجة جاهزة وكل مشكلة بتم تجميلها، وتضيع الحقيقة وسط كثرة الكلام.
* الفرق بين الظروف والقرارات: الوعي الصح مش إنك تجلد ذاتك، لكن إنك تفرق بشجاعة بين حاجة خارجة عن إرادتك، وبين قرار أنت أخذته وكان ممكن تطلع منه بنتيجة أفضل.
* الخلاصة: أخطر حاجة مش إننا نغلط، لكن الأخطر إننا نعتاد ندور على مبرر للغلط لحد ما نفقد القدرة إننا نشوفه.. واللي بيبرر غلطه بيقفل الباب بيده أمام إصلاحه.





