المادة الخفية في التعليم.. كيف يدرس بعض المسؤولين “الإحباط” عملياََ؟
بقلم: أحمد يحيى عبدالوهاب
نعرف جميعاََ المواد الدراسية التي تُدرس في المدارس والجامعات، فهناك مواد نظرية تُشرح داخل الفصول، وأخرى عملية تُطبق داخل المعامل وورش التدريب، ولكل مرحله تعليميه مقرراتها وأهدافها ووسائل تقييمها المعروفه.
لكن ثمة مادة مختلفة تماما، لا توجد في أي كتاب مدرسي، ولا تُدرس داخل معمل أو قاعة محاضرات، ولا يخضع الطلاب فيها لاختبار مباشر. ورغم ذلك، فإن تأثيرها يمتد لسنوات طويلة، وقد يحدد مصير الإنسان بالكامل.
إنها “مادة الإحباط”.
هذه الماده لا يدرسها الطلاب بإرادتهم، بل يتولى تدريسها بصورة “غير مباشرة”من يضعون السياسات والقوانين التعليمية ويحددون قواعد القبول وتنسيق الجامعات.
—
تنسيق الثانوية العامة.. عندما تتحول الدرجة إلى مصير
منذ سنوات طويلة، أصبحت بعض المراحل التعليمية نقاطاََ فاصلة في حياة الطالب؛ ففي نهاية المرحلة الإعدادية تحدد الدرجات نوع التعليم الذي سيلتحق به، وفي نهاية الثانوية العامة تحدد الدرجات الكلية التي سيدرس بها، وربما المهنة التي سيقضي عمره فيها.في وقت أصبح فيه المؤهل أو الشهاده هي سر فتح باب الوظائف لا الإمكانيات أو المهارات.
في هذه اللحظة، لا تصبح الدرجة مجرد رقم، بل تتحول إلى بوابة أو حاجز.
* طالب يحلم بدراسة الهندسة، فيجد نفسه داخل كلية التجارة لأن مجموعه قلَّ نصف درجة عن الحد الأدنى.
* وطالب آخر كان يرى مستقبله في الطب، فيُوجَّه إلى كلية أخرى لأنه فقد درجة أو درجتين في امتحان واحد.
السؤال هنا ليس عن أهمية التفوق الدراسي، بل عن مدى عدالة أن يُحسم مستقبل سنوات طويلة من الاجتهاد بناءً على فارق ضئيل قد لا يعكس القدرات الحقيقية للطالب.
—
تطوير التعليم في مصر.. لماذا يتغير النظام باستمرار؟
خلال العقود الماضية، شهد نظام التعليم المصري عشرات التعديلات؛ فتغيرت المناهج، وتبدلت طرق الامتحانات، وتعددت أنظمة القبول، وظهرت نماذج تعليمية جديدة مثل المدارس التكنولوجية التطبيقية وأنظمة البكالوريا الحديثة، وغيرها من التجارب التي تهدف – وفقًا للمسؤولين – إلى تطوير العملية التعليمية.
لكن يبقى السؤال المشروع الذي يفرضه الواقع:
إذا كان كل نظام جديد يأتي لمعالجة سلبيات النظام السابق، فماذا عن الأجيال التي مرت بهذه السلبيات بالفعل؟
* هل حصلت تلك الأجيال على فرصة ثانية؟
* هل تمت معالجة الآثار التي ترتبت على قرارات سابقة غيَّرت مسارات حياة آلاف الطلاب؟
إن تطوير التعليم أمر مطلوب بلا شك، لكن الاعتراف بوجود مشكلات في الأنظمة القديمة يفتح بابًا آخر للنقاش حول مسؤولية التعامل مع نتائج تلك المشكلات وتبعاتها النفسية والمهنية على الطلاب.
—
المفارقة الكبرى.. شروط القبول بين الجامعات الحكومية والخاصة
المفارقة التي تثير حيرة الكثيرين وتطرح علامات استفهام كبيرة، هي وجود جامعات خاصة وأهلية تمنح في النهاية مؤهلات أكاديمية معترفًا بها، بينما تختلف شروط القبول ومجموع الدرجات فيها بشكل ملحوظ عن نظيرتها في الجامعات الحكومية.
وهنا يتساءل كثيرون:
إذا كان الطالب قادرًا على دراسة التخصص نفسه والحصول على الدرجة العلمية ذاتها عبر مسار آخر، فهل كان فارق الدرجة أو نصف الدرجة الذي حرمه من حلمه في البداية معيارًا حاسمًا وعادلًا بالفعل؟
أم أن منظومة القبول بحاجة إلى أدوات تقييم أكثر شمولًا، تأخذ في الاعتبار المهارات والقدرات والاستعدادات الشخصية، إلى جانب درجات الامتحان؟
—
ما بعد التخرج.. النتيجة الحقيقية لـ”المادة الخفية”
النتيجة النهائية لهذه “المادة الخفية” لا تظهر داخل أسوار المدرسة ولا في قاعات الجامعة، بل تظهر بعد سنوات طويلة في سوق العمل.
تظهر عندما يشعر بعض الخريجين أنهم ساروا في طريق لم يختاروه بأنفسهم، وأن قرارات مصيرية اتُّخذت نيابة عنهم اعتمادًا على أرقام جامدة لا تعكس بالضرورة أحلامهم أو قدراتهم الحقيقية.
حينها يتولد شعور عميق بالإحباط، وربما يفقد البعض الثقة في عدالة الفرص أو في قيمة الاجتهاد نفسه.
—
مستقبل التعليم.. بين الفرز الإحصائي وبناء الإنسان
لا أحد يختلف على أهمية وجود معايير للقبول وتنظيم الأعداد داخل المؤسسات التعليمية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين متطلبات التنظيم وبين حق الإنسان في اختيار مستقبله.
فالتعليم ليس مجرد عملية فرز للطلاب وفق درجاتهم، بل هو مشروع وطني لبناء الإنسان واكتشاف إمكاناته وتوجيهها نحو المكان الذي يمكن أن “يبدع” فيه ويحقق أفضل ما لديه.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه صناع القرار اليوم:
«هل نريد نظامًا تعليميًا يكتفي بقياس ما حفظه الطالب في الامتحان؟ أم نظامًا قادرًا على اكتشاف ما يستطيع أن يقدمه للحياة والمستقبل؟»
فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون الخطوة الأولى نحو تعليم أكثر عدالة، وأكثر قدرة على صناعة الأمل بدلًا من إعادة إنتاج الإحباط.
—
الكلمات المفتاحية (SEO)
الكلمات الرئيسية:
تطوير التعليم، الثانوية العامة، تنسيق الجامعات، نظام التعليم المصري، الجامعات الحكومية والخاصة.
الكلمات الفرعية:
بناء الإنسان، سياسات التعليم، المدارس التكنولوجية التطبيقية، سوق العمل، الإحباط لدى الطلاب، شروط القبول في الجامعات، إصلاح التعليم، مستقبل التعليم في مصر.