
مواجهة الأجيال في حضرة “الزمن”
كتبت / نعمة حسن
ملحمة العدالة
المشهد الأول: جلالة الاستهلال
ساد القاعة وجومٌ ثقيل، ونطق الحاجب بكلمته التي تهز الوجدان: “محككككككمة!”
دخل القاضي، يخطو بوقار مَن يحمل أمانة التاريخ، وجلس فوق منصته العالية. طرق بمطرقته ثلاثاً، ونظر بصرامة إلى القاعة وقال:
”نفتح اليوم ملف ‘مثلث التربية’ المكسور. نحن لا نحاكم أفراداً، بل نحاكم انحداراً. فلتتفضل النيابة العامة بصعق الضمائر وإيقاظ البصائر.”
المشهد الثاني: مرافعة النيابة (قذائف البيان)
وقف وكيل النيابة، ثابتاً كالطود، وأطلق مرافعةً مرتبة كأنها القوافي:
“يا سيادة المستشار، ويا قضاة العدل والوقار..
جئناكم اليوم والقضيةُ مصيرية، والواقعةُ تاريخية، والجريمةُ إنسانية.
نحن لا نتهمُ فرداً ولا آحاداً، بل نتهمُ عصراً خانَ العهودَ وعاداً.
لقد كنا في زمنٍ مضى، نعيشُ في كنفِ مثلثٍ ذهبيّ، أضلاعهُ ثابتة، وقواعدهُ نابتة.
الأمُّ في دارِها بصيرة، ولأبنائِها ذخيرة. كانت تعرفُ المبسوطَ بـ لمحة، وتواسي الحزينَ بـ نفحة.
والمعلمُ في فصلهِ منارة. كنا نقومُ له تبجيلاً، ونرى في خدمتهِ تفضِيلاً.
والإعلامُ في شاشتهِ رزين. كنا نجتمعُ على ‘عالم الحيوان’ بـ تأمل، و’الشيخ الشعراوي’ بـ تعقّل، و’اخترنا لك’ بـ تجمل.
أما اليوم يا سيادة المستشار..
فقد غارَ الحياءُ وغار، وحلَّ مكانهُ الشنار.
تتهمُ النيابةُ ‘التربيةَ الإيجابية’ بأنها أفعى مسمومة، وجريمةٌ منظومة.
جعلتِ البنتَ على أمِّها تتطاول، والولدَ للبيتِ عالة، وللأبِ نَكالة.”
المشهد الثالث: مواجهة الشباب (الأصل والصورة)
طرق القاضي مطرقته: “ليَمثل أمامنا ‘شاب الزمن القديم’!”
تقدم شابٌ يرتدي ملابس محترمة، مهذبة الأطراف، نظيفة الهندام. وقف بوقار، خافضاً طرفه للأرض لا يرفعه في وجه القاضي إلا أدباً. وحين سُئل عن حاله، رد بصوتٍ رخيم:
“سيدي القاضي، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. أنا ابنُ تلك الأم التي لا تغيبُ عن عيني، أحكي معها في كل شأن، وأجدُ في صدرها صبراً على هفواتي وأخطائي. كنتُ أذهبُ لمدرستي، فأرى معملي سيداً، أحملُ حقيبته بـ افتخار، وأسيرُ خلفه بـ وقار. كنا نجتمعُ على مائدة الطعام أجساداً وأرواحاً، نقتسمُ الرغيفَ والكلمة والودّ. تلفازنا كان يبني عقلاً، وبيتُنا كان يمنحُ أصلاً.”
صرخ القاضي بنبرةٍ حادة: “ليَمثل أمامنا ‘شاب العصر الحديث’!”
دخل شابٌ يرتدي ملابس “مُمزقة” (الموضة)، وسلاسل تتدلى من عنقه، يضع سماعاته حول رقبته. دخل يلوك العلكة، وعيناه مسمرتان في شاشة هاتفه، لا ينظر للقاضي ولا للمنصة.
قال له القاضي بحدة: “ارفع بصرك وانظر مَن تخاطب!”
فرد ببرودٍ وهو يقلب في هاتفه:
“سيدي.. لماذا كل هذا ‘الأوفر’؟ الوقت مع ‘الصحابة’ (أصحابه) في ‘الكافيه’ أفضل من سجن البيت. أنا أعيشُ لـ ‘التريند’، وأبحثُ عن ‘البراند’. ‘البلوجرز’ هم قدوتي، و’اللايكات’ هي ثروتي. لا تحدثني عن ‘التبجيل’ لمعلمٍ لا ‘يُلايكني’، ولا عن أمٍ تطلبُ مني أن أترك هاتفي لأرى وجهها.. نحن جيل ‘الواي فاي’، لا جيل ‘الوفاء’!”
المشهد الرابع: مرافعة الأمومة (بين النظرة والشاشة)
وقفت “الأم القديمة” بشموخها المعهود:
“سيدي.. كنتُ أقرأُ وجوههم قبل أن يفتقوا أفواههم. أعرفُ مَن أكل بـ نفس، ومَن أكل بـ يأس. كنا نتنفسُ معاً. لم نكن نحتاج لشاشات لنرى العالم، لأننا كنا لبعضنا ‘العالم كله’.”
بكت “الأم الحديثة” بحرقة:
“سيدي.. أنا لا أرى وجوههم إلا عبر ‘ستوري’ الواتساب! يجلسون معي على السفرة كالمجانين، يبتسمون للهواتف ولا يبتسمون لي. أجسادٌ بجواري، وعقولٌ في قاراتٍ أخرى. ذبحتني الوحدة وأنا في وسط زحامهم!”
المشهد الخامس: حكم المحكمة (فصل الخطاب المهيب والطويل)
ضرب القاضي بمطرقته، فارتجت جنبات القاعة، وتلا حكماً هو “وثيقة تاريخية”:
”باسم القيم التي لا تفنى، وباسم الأخلاق التي هي للحقِّ مَبنى..
بعد الاطلاعِ على أوراقِ الواقع، وسماعِ صراخِ الفواجع:
أولاً: تُدينُ المحكمةُ ‘العصرَ الحديث’ بتهمةِ الخيانةِ العظمى للفطرة. لقد استبدلتم ‘هيبة الكبير’ بـ ‘تفاهة المشاهير’، و’وقار الملبس’ بـ ‘عُري النفوس’.
ثانياً: تُدينُ المحكمةُ ‘الآباء والأمهات’ لإسقاطِهم رايةَ الحزم. إنّ دلالكم هو سُمٌّ ناقع، وصمتكم عن عقوق الأبناء هو جرمٌ فاقع. الأم التي لا تُطاع، والأب الذي لا يُهاب، هما شركاء في خرابِ الديار.
ثالثاً: تُقرر المحكمةُ بطلان ‘التربية الإيجابية’ المزعومة التي لا تُنتج إلا ‘أصناماً نرجسية’. الطفلُ الذي لا يعرفُ معنى ‘قم للمعلم وفّه التبجيلا’، هو طفلٌ أعرجُ الوجدان، لن يقودَ أمةً ولن يبنيَ وطناً.
رابعاً: إلزامُ ‘شباب العصر’ بالنظر في وجوه أمهاتهم قبل فوات الأوان. فالهاتفُ سيتطور، ولكنَّ الأمَّ إذا رحلت، لن تجدوا لها ‘تحديثاً’ ولا ‘بديلاً’.
خامساً: تَقضي المحكمةُ بوجوب استعادة ‘مائدة العائلة’؛ حيث الجسدُ والروحُ والعقل. البيتُ الذي لا يُسمع فيه صوتُ القرآن أو الحكمة، ولا يفوح منه عطرُ الاحترام، هو ‘مقبرةٌ’ مزينة بـ ‘الواي فاي’.
يا أهلَ العصر.. عودوا إلى ‘الأصالة’ قبل أن تبتلعكم ‘السيولة’. إنّ الهيبةَ تُنتزعُ انتزاعاً، والبرَّ يُغرسُ غراساً.
رُفعت الجلسة.. ولن تُغلق القضية حتى يعودَ الابنُ إلى رشده، والبنتُ إلى خِدرِها، والبيتُ إلى قدسيته!”





