
خذلان لا يُغتفر… وكسر لا يُنسى
بقلم / سهير محمود عيد
أقسى أنواع الظلم… ليس ذلك الذي يأتيك من غريب، بل الذي يُولد من قلب كنت تظنه أمانك. أن تعطي، وتُرهق نفسك، وتُفني عمرك لأجل أشخاص، ثم تكتشف أنك لم تكن يومًا في حساباتهم كما كانوا في حسابك… هذا وجع لا يُحتمل.
الخذلان الحقيقي لا يكون في موقف واحد، بل في تكرار الإهمال، في البرود الذي يُقابَل به صدقك، في التجاهل الذي يُمارس عليك وكأنك لا تستحق حتى الاهتمام. أن تمرض، فلا يُسأل عنك… أن تتعب، فلا يشعر بك أحد… أن تضعف، فلا تجد من يسندك… هذا ليس نقص وقت، بل نقص إحساس.
المؤلم أنهم كانوا يرون كل شيء… كانوا يعرفون أنك تبذل فوق طاقتك، وتتحمل أكثر مما ينبغي، لكنهم اختاروا أن يأخذوا دون أن يعطوا، وأن يعتادوا وجودك دون أن يُقدّروه. ومع الوقت، يتحول العطاء في نظرهم إلى واجب، ويصبح صبرك شيئًا عاديًا لا يستحق الشكر.
وهنا يبدأ الكسر الحقيقي… حين يشعر الإنسان أنه لم يكن يومًا مهمًا كما كان يظن. حين يكتشف أن مكانه في قلوبهم أقل بكثير مما أعطاهم من قلبه. هذا الإدراك لا يؤلم فقط… بل يُغيّر كل شيء. يُطفئ الحماس، ويجعل الصمت هو الخيار الوحيد، لأن الكلام لم يعد يُجدي.
لكن هناك وجعًا أشد قسوة من كل ذلك…
أن تُهان الأم، أو تُهمَّش، أو يُسلب منها دورها أمام أولادها… فهذا ليس مجرد جرح، بل هدم لمكانتها. حين يُختزل وجودها، ويُصوَّر وكأنها لا تفعل شيئًا، وكأن كل ما في البيت قائم على طرف واحد فقط… هنا لا تُكسر الأم فقط، بل تُمحى قيمتها في عيون أبنائها.
الأقسى من الإهانة… فكرة تُزرع: أن الأب هو من يفعل كل شيء، وأن الأم بلا دور يُذكر. تُقال الكلمات، أو تُمارَس الأفعال، فيكبر الأبناء وهم يرون العطاء الحقيقي غير مرئي، والتعب الصامت بلا تقدير. فيظنون أن ما تقدمه الأم واجب بديهي لا يستحق الذكر، بينما يُضخَّم أي دور آخر وكأنه كل الحياة.
وهنا يكون الظلم مضاعفًا…
ظلم لأمٍ تُعطي بلا مقابل،
وظلم لأبناء تُشوَّه أمامهم الحقيقة.
الأم التي تسهر، وتربي، وتحتوي، وتُصلح ما يفسد، وتخفي تعبها حتى لا ينهار البيت… حين تُقابل بالتقليل، تشعر أن عمرها يُسحب منها دون اعتراف. وأنها كانت عمودًا خفيًا، لا يُرى إلا حين يسقط.
الأبناء قد لا يفهمون كل شيء، لكنهم يشعرون… يرون نظرة الانكسار، يسمعون النبرة المكسورة، ويخزنون داخلهم صورة لن تُمحى. صورة أمٍ كانت تستحق أن تُرفع، لكنها كُسرت.
ومن يظن أن هذا يمر دون أثر… مخطئ.
فكسر الأم ليس لحظة… بل أثر يمتد في النفوس، ويُحاسَب عليه عند من لا ينسى.
ورغم كل هذا، تبقى الحقيقة الثابتة: أن الله لا يغفل. لا عن دمعة، ولا عن وجع، ولا عن قلبٍ أُهين في صمت. كل شيء محفوظ، وكل إحساس مكتوب، وسيأتي يوم يُرد فيه الحق كاملًا.
وفي النهاية… ليس دعاءً لشخص، بل تذكير بعدل لا يغيب:
اللهم إن كل قلب أمٍ كُسر، وكل جهدٍ أُهمل، وكل دورٍ أُنكر، هو عندك لا يضيع.
اللهم إن من طمس قيمة أم، أو نسب الفضل كله لنفسه، وجعلها كأنها لا شيء… فاجعل له من عدلك نصيبًا يُريه الحقيقة كما هي.
اللهم لا تجعل الراحة دائمة في قلبٍ أنكر المعروف، ولا الطمأنينة مستقرة في نفسٍ قلّلت من قدر من كانت سببًا في بناء حياة كاملة.
اللهم اجبر كل أمٍ مكسورة، وردّ لها مكانتها في قلوب أبنائها، وعوضها عن كل لحظة شعرت فيها أنها لا تُرى… فأنت ترى، وتعلم، ولا تظلم.
فليس كل عطاء يُذكر…
ولا كل تعب يُقدَّر…
لكن عند الله…
لا أمٍ تُهمَّش تُنسى، ولا حق يضيع، ولا ظلم بلا حساب.





