
بقلم/ د.لينا أحمد دبة
يقف الإنسان أحيانًا في منتصف طريقين لا يعرف أيهما أصدق له ولا أيهما أكثر أمانًا. طريق يقوده القلب بكل ما فيه من شوق وحنين ورغبة، وطريق يقوده العقل بما يحمله من تحذير وخبرة وذاكرة لا تنسى. وبين الطريقين تبدأ الحيرة، ويبدأ الصراع الداخلي الذي قد يكون أشد ألمًا من أي خسارة خارجية.
هناك مشاعر لا تأتي بهدوء، بل تدخل القلب بقوة، فتوقظ داخله رغبات ظن أنها انتهت، وتعيد إليه إحساسًا افتقده طويلًا. فيشعر الإنسان أن هناك شخصًا يريده حد الاحتراق، ويرى فيه ما يشبه الحلم المؤجل أو الطمأنينة التي بحث عنها كثيرًا. لكن في المقابل، يقف العقل صامتًا للحظة، ثم يبدأ بالتذكير: هذا الطريق تعرف وجعه، وهذه المشاعر قد تحمل خلفها تكرارًا لما مررت به من قبل.
القلب بطبيعته لا يحسب كثيرًا، فهو ينجذب إلى ما يشعره بالحياة، ويتعلق بما يمنحه الدفء، ويصدق الوعود سريعًا حين يكون متعطشًا للحب. أما العقل، فهو أكثر تحفظًا، يحمل ذاكرة التجارب السابقة، ويقرأ التفاصيل التي يتجاهلها القلب. لذلك يبدو الصراع بينهما صراعًا بين الأمل والخوف، بين الرغبة والحذر، بين ما نتمناه وما تعلمناه من الألم.
أصعب ما في هذه الحالة أن الإنسان لا يصل إلى الراحة في أي اتجاه. إن اقترب، ظل خائفًا من تكرار الوجع، وإن ابتعد، ظل مشتاقًا لما تركه خلفه. فلا هو الذي وصل فاطمأن، ولا هو الذي ابتعد فنجا. يبقى عالقًا بين احتمالين، كلاهما يستهلكه بطريقة مختلفة.
لكن هذه الحيرة، رغم قسوتها، تحمل رسالة مهمة. فهي تعني أن الإنسان لم يعد كما كان سابقًا، وأنه أصبح أكثر وعيًا بما يناسبه وما يؤذيه. لم يعد يندفع دون تفكير، ولم يعد يهرب من المشاعر بالكامل. بل أصبح يبحث عن توازن ناضج بين ما يريده قلبه وما يستحقه فعلاً.
الحل لا يكون دائمًا في إسكات القلب أو تجاهل العقل، بل في الإصغاء لكليهما معًا. فالقلب يكشف ما نحتاجه، والعقل يحمينا مما لا يناسبنا. وعندما يلتقي الاحتياج بالحكمة، يستطيع الإنسان أن يختار الطريق الذي يمنحه الحب دون أن يكلفه نفسه.
في النهاية، ليست المشكلة أن نقف بين رغبتين متناقضتين، بل أن نبقى هناك طويلًا. لأن الحيرة إن طالت، تتحول من فرصة للفهم إلى تعب يستهلك الروح. والنجاة الحقيقية تبدأ حين نختار ما يمنحنا السلام، لا مجرد ما يشعل المشاعر.





