
بين دفتي كتاب
(العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأروبية)
بقلم د. هويدا مروان
أبو حامد الغزالي وهولاكو؛ ثمة صلة تجمع بينهما هي ذات التهمة التي أُلصقت بكليهما عبر قرون خلت، وحكم صدر دون كامل التحقق من حيثياته؛ كان منطوقه يتلخص في أنهما كانا السبب المباشر لحدوث الانحطاط العلمي الذي حل بالحضارة العربية الإسلامية وجعلها تتخلف عن ركب التقدم أو تواصل مسيرها الحثيث لامتلاك ناصية العلم دون غيرها من الحضارات بعد أن تربعت على عرشه لقرون عدة. ترى هل هذا الحكم كان منصفًا أم غلفته الأهواء والتمسك بسطحية مفرطة في إصدار الأحكام تريح صاحبها من عنت البحث عن الأصول والجذور القابعة وراء ما حدث وترضي ضمير فئة تميل إلى الأحكام الجاهزة حتى وإن بدت غير منطقية؟!
في كتابه الماتع (العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوربية) الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في طبعتين الأولى فى العام 2011، والثانية في العام 2014. يقع الكتاب فى 477 صفحة من القطع المتوسط مقسمة إلى سبعة فصول يسبقها تمهيد وخاتمة مع فهرس عام للمراجع. قام بالترجمة الدكتور محمود حداد.
يقلب الدكتور جورج صليبا الموازين رأسًا على عقب من خلال طرحه لرؤيتين متناقضتين فى تناولهما لأسباب تربع الحضارة العربية علي عرش النهضة العلمية لقرون وما تلا ذلك من انحسار أو انحطاط -كما أطلق عليه- أما الرؤية الأولى؛ أطلق عليها صليبا ( السرد الكلاسيكي) والرؤية الثانية والتى يتبناها هو وقدم بالدليل القاطع من خلال أبحاثه برهان صدقها أو أنها الأقرب للتفسير المنطقي فقد اختار لها عنوان( السرد البديل).
والدكتور جورج صليبا هو أستاذ العلوم العربية والإسلامية بجامعة كولومبيا _ نيويورك، تدور مؤلفاته حول دراسة تاريخ العلوم العربية الإسلامية وتأثيرها على تطور الحضارة الغربية وخاصة في مجال علم الفلك، وقد شغل كرسي أستاذ ممتاز بمركز كلوغي في مكتبة الكونجرس الأمريكية لعامي 2005- 2006، نال العديد من الجوائز من بينها جائزة الكويت للبحث العلمي في مجال علم الفلك في العام 1996، وجائزة أكاديمية العالم الثالث في العام 1993.
يتناول جورج صليبا الحكاية منذ فصلها الأول بأسلوب سردي غاية في الإمتاع والسلاسة، هذا الفصل حسب رؤيته بدأ منذ أن اتخذ عبد الملك بن مروان قراره الشجاع بسك العملة ثم تعريب الديوان والذى مثَل الشرارة الأولى لانطلاق نهضة علمية اعترف بفضلها المنصفون في أرجاء الكون. وهو ما يمثل سرده البديل؛ والذى يتنافى تماما مع السرد الكلاسيكي كما أسماه والذى يرى أن بداية تلك القصة كانت فى العصر العباسي وبعد الرؤية المتدوالة التي رآها المأمون والتي التقى فيها بأرسطو ودار بينهما ذلك الحوار الذي اشتمل على شفرتين، الذهب والتوحيد ” من نصحك في الذهب فليكن عندك كالذهب (إشارة واضحة لكميائيى العصور الوسطى)، ثم من المفترض أنه أجاب ” وعليك بالتوحيد ” .. إشارة لعقيدة المعتزلة” وما تلا ذلك من ترجمة للأصول الفلسفية اليونانية بحسب السرد الكلاسيكي الذى يرى أنها كانت بداية النهضة العلمية في الحضارة العربية الإسلامية.
لكن جورج صليبا كان لديه سرد آخر دلل عليه بحجج صلبه تصمد تجاه أي مناقشة أو جدل فأثبت أن سرده البديل الذي يقوم على وقائع حقيقية يرد تلك البداية لعصر الدولة الأموية ويعترف صليبا بأن هذا السرد سبقه إليه النديم في كتابه (الفهرست) وكان هو مصدره وسنده الأصيل فيما قدم من دلائل.
يأخذ جورج صليبا القارئ فى رحلة ممتعة يروى فيها تفاصيل ما حدث. تبدأ فى محطتها الأولى التي عرض فيها السرد الكلاسيكي بكل تفصيلاته يقول معللًا” أقوم بذلك لأن السرد الكلاسيكي يتركنا أمام مشاكل غير محلولة، لا يسعنا تجاهلها إن أردنا فهم العملية الحالية القائمة التي نشأت عبرها العلوم الإسلامية، وبشكل عام العلمية القائمة التي بها تولد وتنمو أية علوم في أي مجتمع. إلا أني من أجل القيام بذلك، مضطر لتفكيك بعض مبادئ هذا السرد الكلاسيكي” ومن خلال ما اعتمده من آلية للتفكيك يصل إلى استتناج مفاده أن الزعم القائل بأن الحضارة الإسلامية كانت منعزلة في بيئة صحراوية، قول وصفه بالسذاجة والتبسيط.
ثم يعرض في المحطة الثانية لتلك الرحلة السرد البديل الذى اعتمده لبداية قصة الحضارة العربية الإسلامية؛ وقد اتخذ من علم الفلك تخصصه الدقيق نموذجًا ودليلا دامغًا على صحة هذا السرد البديل. يغوص عبر حكايات النديم في فهرسه والتي يعرض فيها الطريقة التي انتقلت بها العلوم من ثقافة إلى أخرى؛ مؤكدًا على أهمية ما قام به النديم” السرد الذي يشكل لباب هذا الفصل والذي يقترح هنا للمرة الأولى كسرد بديل للسرد الكلاسيكي، هو في الواقع مستوحى من هذه الأفكار الواردة في حكايات النديم”.
لكن صليبا لم يكتف بما أورده النديم؛ بل حرص على ملء الفجوات التي تركها لاسيما فيما يخص مسألة الترجمة فيحسب للنديم أنه عندما تحدث عن حركة الترجمة لم يبدأ كغيره بما تم إبان العصر العباسي وهى الرواية التي اعتمدها السرد الكلاسيكي؛ بل شدد على أن الترجمة بدأت في العصر الأموي ومع خالد بن يزيد على وجه الخصوص لكنه لم يذكر السبب الحقيقي الذي دفع خالد للاهتمام بالنصوص اليونانية الكلاسيكية المتعلقة بالكيمياء. وهى الفجوة التى قام بسدها جورج صليبا باعتماده على مصادر أخرى أهمها ( كتاب الأوائل) لأبي هلال العسكرى والذي ورد فيه قصة كتابة عبد الملك بن مروان في صدور الطوامير ” قل هو الله أحد” وما نتج عنه واستتبعها من سك للعملة الجديدة واستعانته بخالد ذلك الكيميائي البارع لضبط معايير المعادن ومزجها والذي بالطبع اعتمد على كتب الكيمياء وقام بترجمتها.
يربط صليبا بين مسألة تعريب الديوان في عهد عبد الملك وما حدث من نهضة علمية حصدتها الدولة العباسية وكانت وفق السرد البديل حركة تنافسية بين العلماء وكبار الموظفين للفوز بامتيازات خاصة لدى الخلفاء وهو ما يؤكد “على أهمية وصل تاريخ العلوم بالظروف الاجتماعية التي في رحابها نشأت هذه العلوم”.
المواجهة مع التراث العلمي اليوناني، كان عنوان الفصل الثالث أو المحطة الثالثة من هذه الرحلة المثيرة التي اصطحبنا فيها الدكتور جورج صليبا وهى محطة مليئة بالمفاجأت ” التراث الفلكي اليوناني، لاسيما التراث الذي مثلته أهم النصوص ( أي نصوص بطلميوس)، لم يحفظ في الحضارة الإسلامية كما يؤكد الناس غالبًا، بل استقبل بتقييم نقدي منذ البداية، وشكلت بعض مواضع هذا التراث جدل كبير”
وفي المحطة الرابعة يقف وقفة متفحصة عند علم الفلك الإسلامي الذي كون شخصيته الذاتية وقدم إبداعاته المفصلية التي أفضت إلى النهضة العلمية الأوربية والثورة الكوبرنيكية اعتمادًا علي جهود جبارة قام بها كل من العرضي والطوسي والشيرازي وابن الشاطر والخفري “الذي حول الرياضيات التي اعتبرها أداة، إلى لغة علمية وأداة تصف الظواهر الطبيعية دون أن تتطلب تجسيد للحقيقة … فالرياضيات أصبحت بكل بساطة مشابهة كل المشابهة لوصف ظاهرة بلغة الشعر أو النثر أو الأرقام الرياضية، وعلى هذا الأساس تمكن من عزل اللغة عن الظواهر الطبيعية”.
وفى المحطة الخامسة من الرحلة يتوقف عند نقاط التقاطع بين علم الفلك النظري والفلسفة والدين والتي وصفها بأنها عديدة للغاية ولا يمكن حصرها كما أكد على أن اتصال الفلسفة والدين بعلم الفلك النظري كان اتصالًا مثمرًا مما سمح لعلم الفلك النظري الإسلامي بإثارة الشكوك حول جزء كبير من الكوسمولوجيا الأرسطوطاليسية في المرحلة الأولى وإعادة بناء نفسه كعلم مقبول دينيًا في نظر السلطة الدينية وهى علاقة وصفها بالصحية بخلاف ما حدث في النموذج الأوروبي فيما يخص الصراع بين العلم والدين.
العلم الإسلامي والنهضة الأوربية: الصلة مع فلك كوبرنيك كان هذا عنوان المحطة قبل الأخيرة أو الفصل السادس في هذه الرحلة الممتعة وهو لب الموضوع ودرة تاج الكتاب، حيث يسرد فيه جميع الأدلة التي جمعها ليفسر الصلات المحددة بين النصوص الفلكية الكوبرنيكية ونصوص أسلافه العرب من العالم الإسلامي وفيه يتوصل إلى نتيجة غاية قي الأهمية” الأمر الأكثر إثارة هو أننا نستطيع الآن أن نجزم أن علماء عصر النهضة كانوا يتوجهون نحو العالم الإسلامي، للحصول على أحدث المعلومات العلمية بدلًا من التوجه إلى المصادر الكلاسيكية اليونانية، لا سيما في كل ما يتعلق بالعلوم التجريبية كعلمي الفلك والطب اللذين كانا بحاجة للتحديث على الدوام”
عصر الانحطاط، العصر الذهبي لعلم الفلك
مفارقة عجيبة بالتأكيد، كيف يجتمع الانحطاط مع الازدهار العلمي، طبقًا للسرد الكلاسيكي فإن القرنين الحادي عشر والثالث عشر كانا السبب فيما حدث من تدهور علمي وانحطاط للحضارة العربية الإسلامية، أما القرن الثالث فالسبب الرئيس فيه الغزالي والأصولية الدينية يقول” أما الذين كانوا يعتبرون أن الحضارة الإسلامية لم تكن منذ بدايتها سوى تكشف مستمر للفكر الديني فقط، وتبنوا نموذج الصراع الأوروبي بين الدين والعلم، فقد نسبوا موت العقلانية قي الحضارة الإسلامية، في هذه الفترة اللاحقة، إلى ارتفاع مستوى الفكر الديني الذي يزعمون أنه حصل على حساب الفكر الفلسفي والعلمي. كان أفراد هذه الجماعة يعتبرون أن ” التقدم ” هو انتصار العلم على الكنيسة، تمامًا وفق ما كان يعتبر تقدمًا في أوروبا”
وبناءعلى ذلك صار الصراع بين المعتزلة وأهل الحديث يشكل من وجهة نظرهم نموذج الصراع بين العلم والدين، وأن الغزالي كان من بين من أرسوا دعائم الفكر الديني، ومن ثم كان كتابه رمزًا لانتصار الفكر الديني الذي أدى بحسب اعتقادهم إلى موت الفكر العقلاني العلمي. وهكذا كما يفسر جورج صليبا انتشرت فكرة تحميل سبب انحطاط العلم الإسلامي إما إلى نموذج الصراع بين الدين والعلم أو إلى الضربة التي وجهها الغزالي وحده إلى الفلاسفة، لدرجة أن انتشار هذه الأفكار كان له تأثير سلبي على قراءة النصوص العلمية التي كتبت قبل وبعد الغزالى.. لذلك لم تكتسب محمد بن موسى لبطلميوس أو حتى شكوك بن الهيثم على بطلميوس أهمية إلا مؤخرًا.
أما هولاكو خان فقد كان كبش المحرقة لمن قرأ التاريخ الإسلامي من الناحية السياسية فجعلوا من ضربته وتدميره بغداد سببًا من أسباب هذا الانحطاط؛ وبرغم حقيقة ما حدث من تدمير هولاكو بغداد إلا أنه فى ذات الوقت اتخذ من نصير الدين الطوسي وزيرًا له وهو الذى أقنعه ببناء مرصد مراغة الذى زامله فيه العرضي. هذا المرصد الذي أنتج أكثر النظريات الفلكية تعقيدًا وتطورًا على امتداد التاريخ الإسلامي. أما الغزالي فيطلب صليبا ممن يحمًلونه أحد أطراف مسئولية الانحطاط أن يقدموا تفسيرًا لهذا الانتاج الضخم للنصوص العلمية المتفوقة على ما سبق زمنه والتي أنتجت في الفترة اللاحقة لوجوده يقصد الغزالي.
وفي النهاية من أراد أن يعرف السبب الحقيقي وراء الانحطاط والنهضة الأوربية عليه الاطلاع على هذا السفر الشيق الذى أبدعه جورج صليبا وبالرغم من موضوعه العلمي الرصين ومصطلحاته العلمية الجافة إلا أن طريقة العرض والتفنيد والسرد لا تجعل القارئ يشعر بملل يذكر؛ بل تأخذه الفصول واحدًا تلو الآخر في رحلة ساحرة عبر زمن كان بحق ذهبي القيمة والرونق.





