
الشرق الأوسط على فوهة بركان: مصر بين مطرقة الجيوسياسة وسندان الاقتصاد
بقلم/ هشام عبدالرحيم
تكتسب اللحظة الراهنة في منطقة الشرق الأوسط صبغة تاريخية استثنائية؛ فهي ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي عملية “إعادة تشكيل” شاملة لموازين القوى. وفي قلب هذا الإعصار، تقف الدولة المصرية كركيزة استقرار في محيط مضطرب، تحاول الموازنة بين حماية أمنها القومي وبين مواجهة تداعيات اقتصادية عالمية فرضتها لغة الرصاص والمسيرات.
أولاً: الخارطة الإقليمية.. من “الحروب الباردة” إلى المواجهة المباشرة
دخلت المنطقة منذ مطلع عام 2026 في مرحلة “كسر العظم” بين المحاور الكبرى. لم تعد المواجهات تقتصر على الفاعلين من غير الدول (الوكلاء)، بل انتقلت إلى صدام مباشر بين القوى الإقليمية والدولية.
المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية: الضربات الجوية المتبادلة في فبراير ومارس 2026 غيرت قواعد الاشتباك تماماً. هذا التصعيد وضع دول الجوار، خاصة مصر والأردن ودول الخليج، في حالة استنفار أمني دائم لتأمين أجوائها ومصالحها الحيوية.
عسكرة الممرات المائية: تحول البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى مناطق نفوذ عسكري دولي. هذا الوضع لم يعد يهدد التجارة العالمية فحسب، بل ضرب في مقتل الموارد السيادية للدول المطلة، وعلى رأسها مصر.
ثانياً: مصر.. إدارة الأزمات في حقل ألغام
تتعامل القاهرة مع المشهد الحالي باستراتيجية “النفس الطويل” والتحرك في مسارات متوازية:
المسار الأمني والقومي: تعتبر الدولة المصرية أن استقرار غزة، وتأمين الحدود الليبية والسودانية، ومنع توسع الصراع في البحر الأحمر، هي قضايا “وجودية”. لذا، كثفت مصر من دورها كـ “وسيط استراتيجي” مدعوم بثقل عسكري رادع، لمنع تحويل سيناء أو المناطق الحدودية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
التحدي الاقتصادي الضاغط: لا يمكن فصل السياسة عن لغة الأرقام. مصر اليوم تواجه تحديات مركبة:
انكماش إيرادات قناة السويس: نتيجة تحول مسارات السفن لتجنب مناطق الصراع، مما خلق ضغطاً إضافياً على الاحتياطي النقدي.
فاتورة الطاقة والغذاء: مع تذبذب أسعار النفط العالمية نتيجة التوتر في الخليج، تزداد كلفة الاستيراد، مما يضع الموازنة العامة تحت ضغط مستمر.
ملاحظة هامة: رغم هذه التحديات، نجحت مصر في الحفاظ على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) من خلال صفقات كبرى في قطاعات الطاقة المتجددة والعقارات، مما وفر “مصدات صدمات” حالت دون انهيار العملة المحلية.
ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية (إلى أين نتجه؟)
بناءً على المعطيات السياسية الحالية، يتأرجح المستقبل بين مسارين:
السيناريو الأول: “التهدئة الاضطرارية” وهو السيناريو المرجح، حيث تصل جميع الأطراف إلى قناعة بأن كلفة الحرب الشاملة ستؤدي إلى انهيار الأنظمة والاقتصادات معاً. هنا سيلعب “المحور العربي المعتدل” (مصر، السعودية، الإمارات) دور القاطرة للوصول إلى تسوية شاملة تشمل الملف النووي الإيراني وحلاً عادلاً للقضية الفلسطينية يضمن استقرار المنطقة لعقود.
السيناريو الثاني: “الانزلاق نحو الحرب الكبرى” إذا استمرت الضربات الانتقامية دون سقف دبلوماسي، قد نجد أنفسنا أمام إغلاق كامل للممرات المائية، مما سيؤدي إلى كساد عالمي (Great Depression) يفوق في حدته أزمة 2008، وهو ما سيفرض على مصر إجراءات اقتصادية تقشفية قاسية وإعادة تموضع استراتيجي حاد.
الخاتمة
إن قدر مصر الجغرافي يضعها دائماً في مواجهة العواصف، لكن خبرتها التاريخية في إدارة الأزمات تمنحها القدرة على المناورة. إن الحفاظ على “التماسك الداخلي” هو السلاح الأقوى لمواجهة هذه التحديات الخارجية. المنطقة الآن في مخاض عسير، والشهور القادمة ستحدد وجه الشرق الأوسط للقرن القادم.





