
عام الرمادة ..
كتبت : نعمة حسن
رمضان الذي بكى فيه الحاكم… فنجت أمة.
العام الذي صام فيه الفقراء… وصام معهم أمير المؤمنين حتى اسودّ جلده
ليست كل المآسي حروبًا…
وليست كل الانتصارات سيوفًا…
فهناك عامٌ في التاريخ… لم تُفتح فيه مدن…
بل فُتح فيه ضمير الإنسانية نفسها.
إنه عام الرمادة — سنة ١٨ هـ
حين ضربت المجاعة الجزيرة العربية حتى اسودّت الأرض كأنها رماد… فسُمّي العام باسمه.
لكن الحدث الأعظم… لم يكن الجوع.
بل كيف واجهه رجل واحد.
المشهد الذي لم يُروَ كاملًا
سماء بلا مطر لأشهر طويلة.
أرض جافة… لا زرع… لا طعام.
الناس تأكل أوراق الشجر…
بعضهم خلط التراب بالماء ليخدع معدته…
الأطفال يموتون بصمت… بلا صراخ… بلا صوت.
وفي قلب المدينة…
كان هناك رجل يستطيع أن يأكل… لكنه اختار أن يجوع.
إنه عمر بن الخطاب.
القرار الذي هزّ المجتمع
حين رأى الجوع يفتك بالناس… لم يخطب… لم يبرر… لم يختبئ.
بل اتخذ قرارًا زلزل المدينة:
حرّم على نفسه اللحم… والسمن… واللبن.
صار طعامه:
خبز يابس + زيت فقط.
كانت بطنه تقرقر من الجوع…
فيقول لها:
“قرقري أو لا تقرقري… والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين.”
لكن الأعجب… حدث في رمضان.
كان يستطيع أن يفطر على ما يشاء… لكنه رفض.
اختار أن يعيش جوع الفقراء حرفيًا.
الرواة ذكروا:
تغيّر لون جلده من قلة الطعام
سُمع يبكي ليلًا من شدة الجوع
كان يخرج بنفسه يبحث عن بيوت الجائعين
الليلة التي هزّت الضمير الإنساني
في إحدى ليالي رمضان…
مرّ على خيمة…
سمع أطفالًا يبكون من الجوع.
أمهم وضعت قدرًا على النار… لكن داخله ماء فقط…
تُوهمهم أن الطعام يُطبخ… حتى يناموا من التعب.
وقف عمر… ولم يعرفه أحد.
ثم عاد مسرعًا إلى بيت المال.
حمل كيس دقيق على كتفه بنفسه.
رفض أن يحمله عنه خادمه.
طبخ بيده…
ونفخ في النار حتى اسودّ وجهه بالدخان.
جلس يطعم الأطفال… حتى ضحكوا.
ثم جلس بعيدًا يراقبهم… وقال:
“الآن فقط… أستطيع أن أنام.”
البعد الإنساني الذي غيّر التاريخ
في عام الرمادة:
لم يمت أحد جوعًا داخل المدينة بعد تنظيم الطعام
أرسل عمر رسائل استغاثة للأمصار
فجاءت قوافل الإغاثة من مصر والشام
أنشأ نظام توزيع يومي للفقراء (أقرب لنظام الإغاثة الحديثة)
وصف المؤرخون ما فعله بأنه أول نموذج عملي للعدالة الاجتماعية في التاريخ الإسلامي.
لكن ما لا يُقال كثيرًا…
أن رمضان ذلك العام حوّل الحاكم إلى إنسان يعيش ألم شعبه حرفيًا.
فهذه القصة تكشف معنى نادرًا:
الجوع ليس ضعفًا… بل اختبار ضمير
القيادة ليست سلطة… بل إحساس بألم الناس
رمضان ليس طقوسًا… بل مشاركة إنسانية حقيقية
في ذلك الرمضان…
لم يُفتح بلد…
بل فُتح ضمير.
رمضان حقاً ليس طقوساً
بل ضميراً يشعر بمعاناة الغير ..
رمضان ليست لًقم تَملأ الموائد ..
بل حسنات على موائد الرحمان
ورحمة في القلوب وتقرب إلى الله بالنوايا والأفعال وحسن التعامل مع الناس ارضاءاً لرب الناس لا ملواً للبطون .
تقبل المولى صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا.
وكل علم وانتم بخير .
مع تحياتي ..





