الأسبوع العربيقصة قصيرةقصص وروايات

"الروحُ سَجْنٌ والأرقُ مِفتاحُهُ المفقودُ"

“الروحُ سَجْنٌ والأرقُ مِفتاحُهُ المفقودُ”

قلم/وائل عبد السيد

متاهة الروح والجسد 

إني أعيشُ حالةَ ليلٍ لا يزولُ لهُ ضياءْ،

وغُربةَ نفسٍ لا تجدُ في القُربِ أوطانَ البقاءْ.

أنينُ الصمتِ في جوفي، وصوتُ البُعدِ في عيني،

كأنما الروحُ بَحرٌ لا يصافحُهُ رَجاءْ.

أطوّفُ في زوايا الدارِ، أبحثُ عن هدوءٍ غابْ،

وعن وسادةٍ لا تشهدُ نزفَ الأرقِ، ودمعَ العذابْ.

هنا السريرُ، وهناكَ العتمةُ الثقلى، لكنّ الجفنَ معقودٌ،

كأنّ النومَ جنديٌّ تمرَّدَ، وأغلقَ دونهُ الأبوابْ.

البالُ مِضمارُ سباقٍ لا يهدأُ فيهِ الفكرْ،

يطاردُ الأمسَ حتّى ينفضَ الغبارَ ويستفزَّ الذِكْرْ.

ماذا جنيتُ؟ وماذا فاتني؟ وأينَ المفرُّ من نفسي؟

سؤالٌ بعدَهُ سؤالٌ، وفي الإجابةِ يكمنُ الشرْ.

تلكَ الساعةُ الصماءُ تُعلنُ مرورَ الوقتِ في صمتٍ،

ودقاتُ القلبِ أسرعُ منها، كأنها إيقاعُ سخطٍ.

أينَ الطمأنينةُ التي وعدتْ بها الكتبُ والأحلامُ؟

هل هي مجردُ وهمٍ، أم أنني أدفعُ ثمنَ إثمٍ؟

في صدريَ قَفصٌ مُحكَمٌ، والطيرُ فيهِ ينوحْ،

يُريدُ أن يمدَّ جناحَهُ نحو فجرٍ لا يلوحْ.

أتنفسُ الهواءَ حاراً، وكأنهُ شَوقٌ إلى شيءٍ،

شيءٌ أجهلُهُ لكنّ الجسدَ بدونهِ مفتوحٌ.

أصبحتُ أخشى من الصباحِ ومن ضجيجِ الناسْ،

ففي الهدوءِ أجدُ بعضَ العزاءِ من ذاكَ الباسْ.

لكنّ الهدوءَ أيضاً مرآةٌ تكشفُ عيبَ القلبِ،

فتصعدُ الآهاتُ، تطلبُ أن تُعانقَها الأنفاسْ.

يا ليتني كنتُ صخرةً لا تشعرُ بما يَمُرْ،

أو ورقةً تسقطُ بهدوءٍ، تقبلُ قضاءَ القَدَرْ.

لكنني إنسانٌ، أحملُ همَّ العالمِ في كَتفي،

وحَمْلُ الذاتِ أثقلُ، لا يتركُ لي مجالاً للفَرَرْ.

هذي الشوارعُ هادئةٌ، والبيوتُ غارقةٌ في ضوءْ،

لكنني وحدي سجينٌ لا أجدُ في عينيَّ سَوْءْ.

سَوْءٌ يراودُني عن سكينةٍ أرجوها في الآتي،

وبينَ الأملِ واليأسِ تَتأرجحُ روحي في الهواءْ.

فمتى سأعرفُ طعمَ الراحةِ، تلكَ التي يصفونها،

متى سأغمضُ عينيَّ مطمئناً لما تُخفيها؟

هذا هو البؤسُ، ألا تجدَ مكاناً يستريحُ به قلبُكَ،

أن تكونَ في كلِّ أرضٍ، لكنّ روحَكَ لا تسكُنُ فيها.

"الروحُ سَجْنٌ والأرقُ مِفتاحُهُ المفقودُ"
“الروحُ سَجْنٌ والأرقُ مِفتاحُهُ المفقودُ”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى