
سورة الإنسان
توفيق زهران .
تمهيـــــــــــــــــــــــــــد .
……………………….
سُورة ” الإنسان ” هي السُّورة السادسة والسبعون في ترتيب سُور القرآن الكريم في المصحف ، أما زمن نزولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلفت حوله أقوال المفسرين ، حيث يرى الجمهور – كما ذكر أبو حيان ونقل عنه الألوسي – بأنها مكية ، وقال الإمام المحقق ابن كثير في مقدمة تفسيره لهذه السورة : إنها مكية ، دون أن يذكر في ذلك خلافا ، مما يوحي بأنه لا يعتد بقول من قال بأنها مدنية ، وهناك من المفسرين من يرى أنها مدنية كلها ، أو هي مدنية إلا قوله تعالى { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } إلى آخرها ، أو قوله تعالى { فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم } الخ . ولقد عقب ابن عاشور – رحمه الله – على ذلك الخلاف بقوله ” والأصح أنها مكية ؛ فإنَّ أسلوبها ومعانيها جارية على سنن السور المكية ” .
والحق هو ما ذهب إليه الجمهور ، لأنَّ مكية السورة واضحة في موضوعها وفي سياقها ، بل وفي سماتها كلها . إذ من خصائص السور المكية كثرة حديثها عن حسن عاقبة المؤمنين ، وذلك من خلال إبراز صور النعيم الحسية المفصلة الطويلة ، حيث كان القوم قريبي عهد بالجاهلية ، شديدي التعلق بالمتاع الحسي الذي يبهرهم ويعجبهم ، ويثير تطلعهم ورغبتهم ، وكذلك الحديث عن سوء عاقبة المكذبين بإبراز صور العذاب الغليظ الذي يناسب غلظة كفار مكة المعاندين ، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر لحكم ربه ، وعدم إطاعة هؤلاء المكذبين الضالين فيما كانوا يدعونه إليه من الإغراءات والمساومات ، مع تثبيت الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] على الحق الذي نزل عليه ، وإثبات أن هذا القرآن من عند الله – تعالى – والتحريض على مداومة ذكر الله وطاعته ، وكل ذلك مما كان يتنزل عند اشتداد الأذى على الدعوة وأصحابها في مكة ، وهو نفس التوجيه الذي جاء في بعض السور المكية الأخرى ، كما في سور القلم والمزمل والمدثر ، مما هو قريب من التوجيه في هذه السورة . ولعل تلك السورة الكريمة – كما نلمح من سياقها – من بواكير ما نزل من القرآن المكي ، واحتمال أن تكون مدنية – على ما يبدو – هو احتمال ضعيف .
وتسمى هذه السورة ب ” سورة الإنسان ” وقد اقتصر الإمام السيوطي في كتابه ” الإتقان في علوم القرآن ” على تسميتها بذلك الاسم ، ولم يذكرها في عداد السور التي لها أكثر من اسم ، وقد ذكر بعض المفسرين لها أسماء أخرى غير ” سورة الإنسان ” ، قالوا : إنها تسمى –أيضا – بسورة ” هل أتى على الإنسان ” ، لما رواه البخاري – في باب القراءة في الفجر من صحيحه – عن أبي هريرة ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر سورة ” ألم السجدة ” . وسورة ” هل أتى على الإنسان ” . وتسمى { سورة الدهر } في كثير من المصاحف . وقال الخفاجي – كما حكاه ابن عاشور – تُسمى { سورة الأمشاج } ، لوقوع لفظ الأمشاج فيها ولم يقع في غيرها من القرآن . واتفق العادون على أن عدد آياتها : إحدى وثلاثون آية بلا خلاف .
………………..
من مقاصد السورة الكبيرة .
تبدأ السورة الكريمة بالحديث عن خَلق الإنسان ، والتأكيد على أن الله قد منحه الوجود في هذه الحياة بعد أنْ كان قبل حين من الدهر عدما لا ذكر له في الكون ولا وجود ، مع الإشارة المقصودة إلى أصله وطبيعة مادته التي منها نشأ ، وهي النطفة الأمشاج ، وبيان حكمة الله في خلقه ومنحه الوجود في هذه الحياة ، والمتمثلة في الاختبار والابتلاء ، وتزويده بالطاقات ووسائل الإدراك – من السمع والبصر والفؤاد – التي تعينه على اجتياز هذا الابتلاء ، فهو مخلوق ليبتلى ، وموهوب نعمة الإدراك لينجح في هذا الابتلاء .
ثم يأتي التعقيب ببيان فضل الله عليه من خلال هدايته السبيل ، ذلك الطريق الرشاد الذي يقوده إلى رب العباد ، وقد جاءت الهداية عن طريق الرسل وما وهبه الله من ملكات جسدية وعقليه تمكنه من المعرفة والهداية ، ثم ترْكه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره لنفسه : إما أن يكون شاكرا لله ومن جملة الأبرار ، أو يكون به كفورا ومن جملة الفجار .
ثم يأتي الترهيب الوجيز بذكر ما أعده الله للكافرين من السلاسل والأغلال والسعير ، يعقبه الترغيب المفصَّل بذكر ألوان النعيم للأبرار في جنة النعيم ، وفي ثنايا الحديث القرآني عن بعض ألوان ذلك النعيم ، نجد تعريفا لهؤلاء الأبرار المختصين بذلك الفضل من الله ، وبيان بعض سماتهم التي بها نالوا تلك الحفاوة وذلك التكريم , فمن تلك السمات أنهم يوفون بما ألزموا به أنفسهم من الطاعات ، ويخافون يوما شره فاشيا يصيب الكثيرين من المسيئين ، كما أنهم – لفرط تعاطفهم مع المحاويج الضعاف – يطعمون الطعام الذي يحبونه ويحتاجون إليهم ، يطعمونه المسكين واليتيم والأسير ، طاعة خالصة لله لايريدون من الخلق جزاء ولا شكورا ، إنما اتقاء يوم عسير على الكافرين غير يسير .
ولعل مشاهد النعيم المذكورة في هذه السورة الكريمة هي من أطوال المشاهد التي وردت في القرآن الكريم لوصف أهل الجنة ، وما أعده الله لهم من ألوان النعيم الذي لايدركه الوصف ، والملك الكبير الواسع الذي لا غاية له .
فهناك الشراب الطهور ، الشهي اللذيذ ، المتعدد الطعم والمذاق ، يأتيهم ممزوجا بالكافور أبيض اللون ، باردا طيب الرائحة ، كما يأتيهم ممزوجا بالزنجبيل من عين تسمى سلسبيل ، يأتيهم متدفقا وهم في غرفات الجنة على وفرة وسعة من عين لا ينضب شرابها ، يتصرفون فيها ، ويجرونها حيث شاؤوا إجراء سهلا ، ، يُصَب هذا الشراب في آنية وأكواب من فضة ، كأنها القوارير في صفائها ونقائها ، كما يتولى إحضار هذا الشراب لأهل الجنة ولدان دائمون على ما هم عليه من النضارة والحيوية والشباب ، لا يؤثر فيهم الزمن ، ولا تدركهم الكهولة ، وهم في جمالهم وحسنهم ونضارة وجوههم كاللؤلؤ المنثور على البساط ، وهو في تلك الحالة أكثر جمالا وإشراقا منه فيما لو كان منظوما .
وكذلك نري في المشهد أهل الجنة وهم يرتدون أفخم الثياب وأجملها من الحرير الناعم ، واللون الأخضر من السندس والإستبرق ، وهم مُحلَّون بأساور من فضة ، كما يحلون بأساور من ذهب ، متكئين على الأرائك في جلسة مطمئنة مريحة ، وفي جو لطيف معتدل محبب ، لا حر فيه ولا برد قارس ، تظللهم الأشجار ، وتدنو منهم ثمارها الطيبة ، يقطفون منها ما تشتهيه أنفسهم في يسر وسهولة . وذلك النعيم كله جزاء من الله على إيمانهم في الدنيا ، وعلى عملهم الصالح المشكور ، والمرضي المقبول . .
وبعد الحديث عن عذاب الكفار في الآخرة على سبيل الاختصار ، والحديث عن ثواب الأبرار على سبيل الاستقصاء ، إرشادا لنا إلى أن جانب الرحمة مقدم على جانب العقاب ، يتجه الخطاب – بعد ذلك – إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لتأكيد ربانية القرآن ، وبيان أن مصدره هو الله ، فمنه – سبحانه – نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك رد على المكذبين بالقرآن ، والزاعمين بأن مصدره بشري وليس إلهيا ، كما يأتي تثبيته – والمؤمنين معه على الدعوة وأعبائها الثقيلة ، والصبر على الكفر والتكذيب الذي يناله من كفار مكة ، وعلى الصد عن سبيل الله الذي يملكه أعداء الدعوة ويقومون به ويصرون عليه ، كما يأتي التوجيهه بعدم طاعاة هؤلاء الآثمين الكافرين ، فهم لا يدعونه – صلى الله عليه وسلم – إلى بر ولا إلى خير ، إنما يعرضون عليه إغراءات ومساومات وتنازلات ، حتي يلتقي معهم في منتصف الطريق ، فيدهن لهم وهم له يدهنون ، فعليه أنْ لا يطيع منهم آثما أو كفورا ، وأن يستعين بالله على إعراضهم ومكرهم وتدبيرهم ، يستعين بالذكر في الصباح والمساء ، وبالسجود والتسبيح في الليل الطويل ، تلك هي العدة في هذا الصراع ، وهذا هو الزاد الذي ينبغي أن يستمد منه كلما طال طريق الكفاح .
ثم يأتي التهوين والتقليل من شأن هؤلاء المكذبين المعارضين ، والتلويح بهوان أمرهم على الله ، فما هم إلا حمقي غافلون تافهون ، حمقي في أفهامهم ، غافلون عن رؤية الخير لأنفسهم ، وعن اليوم الثقيل الذي في انتظارهم وهم لا يحسبون حسابه ، كما أنهم تافهون في تطلعاتهم وأمنياتهم الرخيصة ، فهم لا يلهثون إلا وراءالمتاع العاجل الزائل القليل ، متجاهلين المتاع الآجل الباقي الكبير .
وإذا كان الله – سبحانه – هو الذي خلقهم ، وهو الذي منحهم ما هم فيه من القوة ، فهو قادر على الذهاب بهم ، والإتيان بقوم آخرين ، فهم لا يُعجزون الله بقوتهم ، فبقدرته – سبحانه – كانت نشأتهم ، ومنه استمدوا قوتهم ، فلماذا يُعرضون عن التذكرة التي يدعوهم خالقهم إليها ؟، ولماذا لايتخذون إلي ربهم سبيلا ؟ ولماذا لا يلجأون إليه ليهديهم بكرمه إلى التذكرة , ويوفقهم بفضله إلى الطاعة ، ويدخلهم بمشيئته في رحمته ، ويقيهم عذابه الأليم الذي أعده للظالمين ؟
……………………………..
تلك كانت إطلالة سريعة لما تضمنته سورة ” الإنسان ” من هدى وبيان ، فلنشرع – مستعينين بالله – في رحلتنا التربوية الإيمانية في رحاب السورة الكريمة ، ولنتناول آياتها بشيء من التفصيل . . .






