الأسبوع العربي

حنين إلى زمن مضى: بين شغف الفقد وكنف الاحبة.

 

حسن غريب أحمد

​في خضمّ صخب هذا العصر المتسارع، يتسلل إلى الروح شعور عميق، مزيج من الشغف الجارف والفقد المؤلم، حنيناً إلى زمنٍ جميلٍ ولّى. إنه زمنٌ لم يكن مجرد فترة تاريخية، بل كان نسيجاً دافئاً من العلاقات الإنسانية الصادقة، وواحة أمان في كنف الأحبة، الأسرة، والأصحاب.

دفء الكنف وصدق المشاعر:
​كنا نعيش تحت سماء واحدة، تشدّنا خيوط الودّ والمحبة بصدقٍ عفوي. كانت البيوت متلاصقة لا بجدرانها فحسب، بل بقلوب أهلها. كان للزيارات طعمٌ خاص، وللقاءات بهجة لا تُضاهى. الأسرة كانت الملاذ الأول، وحكايات الجدات نبعاً لا ينضب للحكمة والدفء. كنا نجد العزاء والسند لدى الناس الطيبة التي كانت ترى في الجار أخاً، وفي الصديق عضداً لا يميل.
​في ذلك الزمن، كان الخوف والتوجس شعوراً نادراً، وإذا ما حلّ، فإنه يوحدنا بدلاً من أن يفرقنا. كنا حقاً “قلوبنا على بعض”، نتشارك الحلو والمر، والهمّ كان خفيفاً لأنه يحمله الكثيرون. كان الكنف ليس مجرد مكان، بل حالة من الاطمئنان الروحي، تغلفنا جميعاً كغطاء من حنان.

طبلية واحدة… وجذور العريش
​ولعلّ أصدق تعبير عن تلك الألفة هو مشهد الطبلية الواحدة. لم تكن الطبلية مجرد قطعة أثاث، بل كانت محور الحياة، المكان الذي تتلاشى فيه الفروقات، حيث نأكل جميعاً ونقاسم اللقمة بحبٍ وعفوية. كانت البركة تحلّ على القليل، لأن الشعور ببعضنا كان يغنينا. كنا نتبادل نظرات الاحتياج والألم والفرح، وكأننا روح واحدة تتجسد في أجساد متعددة؛ كلنا واحد.
​وتزدهر هذه الذكريات أكثر في كنف مدينتنا الحبيبة، العريش، حيث يجتمع الدفء بين شموخ النخيل وجمال الشاطئ. كانت تجمعاتنا احتفالاً بالبساطة: نجتمع لنأكل اللصيمة الأصيلة، ونتسامر حول النار المشتعلة، محتسين القهوة والشاي بنكهة الدخان وعبير البحر. كنا نلعب ونلهو بلا كلل طوال النهار، خاصة في أيام الجمعة أو في بهجة شم النسيم، نستقبل الصباح الباكر بقلوب صافية لا تعرف الهمّ. هذه الصور ليست مجرد ذكريات، بل هي عمق جذورنا التي تروي قصص الكرم والترابط الذي نفتقده اليوم بشدة.

مرارة العصر الغادر
​أما اليوم، فالفرق شاسع وكبير. لقد تبدلت الملامح، وتغيرت النفوس. نعيش في عصر غادر وعنيف، لا بوحشية الحروب فحسب، بل بوحشية الوحدة والعزلة التي يفرضها الإيقاع السريع والتكنولوجيا التي قربت البعيد وأبعدت القريب. أصبحت العلاقات افتراضية، والمشاعر سريعة الزوال كرسالة عابرة.
​كان الأخ يخاف على أخيه في سالف الأيام، يتفقده ويحميه، أما الآن، فقد تبدلت الأدوار والمشاعر؛ فالقريب يفرّ منك ويروغ منه كما يروغ الثعلب، يتخلى عنه ويخذله في أحلك الظروف. هي خيانة للدم ونقض للعهد.
​العزلة القسرية: رغم ازدحام المدن، يشعر الفرد بوحدة خانقة.
​القسوة واللهاث: الكل يركض خلف المادة، والوقت المخصص للأحبة أصبح عملة نادرة.
​فقدان الأمان: التوجس صار سمة العصر، والقلوب أصبحت حذرة ومغلقة، تخشى الغدر والخذلان.
​أين ذهبت تلك البراءة؟ وأين اختفى ذلك الشغف للحياة البسيطة الصادقة؟
​ البحث عن بقايا الجمال
​إن الفقد لهذا الزمن الجميل هو في جوهره دعوة لنا لاستعادة ما يمكن استعادته. لا يمكننا إعادة عقارب الساعة، ولكن يمكننا أن نزرع بذور الودّ والرحمة في تربة هذا العصر القاحلة. أن نخصص وقتاً حقيقياً للأسرة، أن نسأل عن الجار بصدق، وأن نمدّ يد العون دون مقابل.
​لعلّ هذا الشغف للزمن الماضي هو وقودنا لكي نخفف من غدر هذا العصر، ونبني جيوباً صغيرة من الكنف والدفء في حياتنا وحياة من حولنا، متمسكين بقيم الطبلية الواحدة وبراءة العريش القديمة، لتبقى قلوبنا، كما كانت، “على بعض”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى