أخبار الأسبوعأدب

قصة قصيرة (أماني)

         ”  أماني “

بقلم / يوسف مهران

لا تزال  ذاكرتي تحفظُ الطريق التُّرابي الضّيّق،  بين كلية الآداب، وكلية التربية في المنيا ، طريق مختصر يسلكه العشاق الذين يستنشقون عبير شبابهم، شذي مشاعرهم، طيف أحلامهم، يقطعه المتعجلون للحاق بموعد ما، يسير فيه الفقراء الذين يعوزهم دفع  النقود لسيارات الأجرة  في الطريق الأسفلتي بين كلية الأداب والمبني الرئيسي للجامعة، الطريق طالما وَسِع الحالمين الذين لا حدود لأمانيهم ، يخطون عالما تزينه قصور أحلامهم التي احتوت ،بكارة مشاعرهم،   الطريق صار قطعة منهم، علي أديمه يبحثون عن ذواتهم، عن أريج تبعثر بين ذراته؛ لهذا  فإليه  يعودون، فاتحها بومضة  من خيالاته الغضة:

نذهب للوادي الجديد، هناك براح يسع حبنا الوليد، في شقة الحكومة المجانية نسكن ، وخمسة أفدنة، نزرعها حبا،فتثمر وردا، فُلا، وياسمينا يرعاها الأمل الكبير الذي داخل قلبينا وعقلينا ، نبني بيتا، يحتوينا،

كانت” أماني “تستمع لكلامه وقد أرسلت ابتسامة أشرقت لها شموس الكون  ورقصت لها الحياة، الشاعر الواعد أسمعها آخر ما كتب لها، استمعت، لم تنبس ببنت شفه، فقط لمعت عيناها العسليتان التي

طوقهما كُحل كثيف وانفرج فمها عن ابتسامة، أضاءت الدنيا حال انكشاف صفين من الألماس زينا فمها الرقيق، الطريق الطويل خانهما ،سرق البهجة، أخذ أجمل لحظات عمرهما ومضي ، فجأة وجدا نفسيهما أمام مبني كلية التربية، هَمّا ليلحقا مكانين متجاورين،أراد “ياسين” أن يكون أول الحاضرين؛ لقد انتظر كثيرًا، ليلقي صديقه ابن زيدون ، كان أستاذ الأدب الأندلسي قد وعد أن تكون حكاية ابن زيدون  اليوم،سوف يكشف الاستاذُ النقابَ عن الوزير العاشق،عن شعره عن عشقه لولادة:

– مأساته، تجربته كانت أمامي حافزا كيلا أقع فيما وقع فيه، سأواجه العالم استلُ جميع أسلحتي،لن يستطيع الصمود أمامي أحد منهم  ،

جاء صوت الأستاذ جرس أنذار أيقظني من الحلم :

– هل كان ابن زيدون طموحا أكثر مما ينبغي؟ هل كان حبه ولادة بنت المستكفي  مضيعة له وللوزارة  ونهاية لتاريخه؟

دون تفكير أجبتُ:

-لا. لم يكن حبه السبب، ماكان ابن زيدون ضعيفا أبدا، فقط خانه الحاسدون، تآمر عليه العاذلون، دبر له المكائد الكائدون، حتي وقع ،انهار فضاعت الوزارة،وانتهي

لكنّ الزمن غير،والبشر غير،يا ولادتي،يا أكبر أمانِي عمري ، هل يقدر علينا أحد؟،هل من الممكن أن يقهرنا إنس أو جان؟،ما المانع أن  يجتمع حبيبان في عش يضم وليدهم الرقيق؟ نبتا غضا يستوي علي سوقه،يتدفق  نهرا عذبا يُسِكر المحبين إن مروا علي ضفافه، يضوي بدرا يزين سماءات العشاق الحياري المساكين.

 لم تكن ولادة أثمن من الشاعر، الأميرة رحلت، وأيامها ومجدها قد  ذهب،  وبقي الشاعر ولولاه  لضاعت في مهاوي  النسيان:

-أضْحَى التّنائِي بَديلًاً مِن تَدَانِينَا

 وَنَابَ عنْ طِيبِ لُقيانَا تَجَافِينَا

بِنْتمْ وَبِنَا فَمَا ابْتَلتْ جَوانِحُِنَا

 شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا

يكادُ حيْنَ تناجيكُم ضمائُرنَا

 يَقضْي علينا الأَسَى لولا تَأَسّينَا

***

–  هل كانت ولادة   مستعدةً أن تنزلَ مِنَ السماءِ لتلتقي بشاعرِها علي الأرض؟ حكي الأستاذُ

حكاية الشاعر وما حدث له،و كيف  ضاع الحبيب بعد أن ضاعت الوزارة،وتخاذلت ولادة وانهزمت أمام العاذلين في وقت لا يجب فيه الانهزام،ذهبتُ إلي ابن زيدون وشاهدتُ مآله اعتصر  قلبي،وتحطّم ما رسمته من نهاية-تخيلتُها-لقصة الوزير العاشق  .

في الطريق بين مبني الكلية ومبنى المدينة الجامعية سألتها:

– هل أخطأت ولادة حين تخلت؟ تركت، تنازلت عن  حبيبها، جعلته يواجه الحرب بمفرده،أجابت:

-وماذا يمكن أن تفعل امرأة في مواجهة العالم؟

إِجابَتَُها خذلتْ انتشائي وسعادتي، أعتقدتُ أنها ستواجه العالم معي. سألتها:

-لو كنتِ  ولادة، ماذا كنتِ تصنعين؟

لم يكن لدي أماني إجابة جاهزة، ابتسمت ابتسامة خَجْلي و خرج الكلام  مبعثرا على شفتيها:

الأمر ليس بالسهولة التي تتصور، الأمر يحتاج إلي تفكير عميق حتى نزن  الأمور بميزان الوعي، لا ميزان الشعراء.

إذن كان الشاعر مخطئا، موهوما، حالما أكثر  مما ينبغي؟

قلتُ لكَ الأمر يحتاج إلي تفكير عميق، واعٍ، هادئ، الأمر ليس بالسهولة التي تراها،

 واليوم مرت عشرات من السنين، ولازلت أبحث عن الإجابة التي لم تأتني بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى