
مقام اللازمن
بقلم: علي جمال عيسى
يُخيَّل إليّ أنّ الزمن ليس ما نعدّه بالساعات، ولا ما نرصده في تقويمٍ يتهالك كلما انقضى عام، بل هو كائنٌ حيّ يراقبنا من وراء ستائر الغيب. الزمنُ ليس مجرد مرورٍ من ماضٍ إلى حاضرٍ إلى مستقبل، بل هو مسرحٌ تتعاقب عليه أدوارنا، فيما يظلّ هو المخرج الخفي الذي لا يظهر أبدًا على الخشبة.
في مقام اللازمن تسقط الساعات من معصمك كما تسقط أوراق الخريف، وتكتشف أنّ اللحظة التي تحياها قد تحتوي في جوفها ألف عام. ترى نفسك طفلًا يجري خلف الفراشات، ثم شيخًا يحدّق في غروبٍ بعيد، ثم شاعرًا يكتب قصيدته الأخيرة، ثم غريبًا يمرّ في مدينةٍ لم يعرفها من قبل… وكلّ هذه الصور تحدث في آنٍ واحد، كما لو أنّك تعيش كل حيواتك دفعةً واحدة.
أيها القارئ، أليس غريبًا أن الذكريات التي نُقسم أنّها مضت لا تزال تسكننا بحدّةٍ كأنها لم تُغادر أبدًا؟ أليس غريبًا أنّ المستقبل الذي لم يأتِ بعد يفرض علينا خوفًا أو فرحًا أو حذرًا منذ الآن؟ وكأنّ الماضي لم ينتهِ، والمستقبل ليس انتظارًا، والحاضر ليس نقطةً بينهما، بل إنّنا نحن النقطة الصغيرة العالقة في دوّامةٍ لا نهاية لها.
اللازمن ليس فكرةً، بل تجربة قد تلمحها في عينِ عاشقٍ يرى في محبوبته كلّ الوجوه التي أحبّها ولم يحبّها، أو تسمعها في صدى كلمةٍ كتبها شاعر منذ ألف عام فتشعر أنها خُلقت من أجلك أنت، أو تراها في صمت ليلٍ طويل حيث يذوب الفرق بين الأمس واليوم، وتصبح كلّ الأشياء شيئًا واحدًا.
إنّ سرّ الدهشة أن ندرك أنّ الزمن ليس قيودًا تُحاصرنا، بل فضاء نطفو فيه؛ نغرق حين نخاف، ونحلّق حين نؤمن أنّ اللحظة أوسع من أعمار الكواكب.





