المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة.. القائد الذي سبق زمنه
بقلم : سهام محمد راضى
المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة لم يكن مجرد قائد عسكري بل كان مدرسة كاملة في القيادة والإدارة والتخطيط الاستراتيجي رجل خرج من قلب الريف المصري من قرية زهور الأمراء بمحافظة البحيرة ليصنع مجده العسكري بنفسه ويمضي في طريق لا يسلكه إلا الكبار ولد في 15 يناير عام 1930 ليبدأ مسيرة امتدت لعقود حمل فيها على عاتقه راية الوطن ودافع عن كرامته بالسلاح والفكر والذكاء السياسي دخل الكلية الحربية وتخرج منها عام 1949 ثم واصل تعليمه وتدريبه حتى أصبح أول من يدرس في الأكاديمية العسكرية السوفييتية من غير السوفييت ثم التحق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة ثم توج مسيرته العلمية بالحصول على دبلوم شرفي من الأكاديمية الوطنية للحرب بالولايات المتحدة ليكون أول أجنبي ينال هذا الشرف العلمي المرموق
شارك في حرب فلسطين 1948 ثم خاض العدوان الثلاثي 1956 وبعدها برز اسمه كأحد رجال المدفعية الأقوياء في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 حين قاد مدفعية الجيش الثاني الميداني وأبلى بلاءً حسنًا وسجل بطولات لا تُنسى جعلت اسمه يتردد في كتب التاريخ العسكري تولى بعد ذلك قيادة سلاح المدفعية ثم عمل ملحقًا عسكريًا في واشنطن بين عامي 1976 و1979 واستغل وجوده هناك ليبني علاقات قوية ويطّلع على أحدث الأساليب الحربية ثم عاد إلى الوطن ليتولى منصب مدير المخابرات الحربية ثم رئيس أركان حرب القوات المسلحة عام 1980 ليصعد بسرعة الصاروخ بفضل كفاءته اللافتة وبعد استشهاد المشير أحمد بدوي في حادث مروحية عام 1981 اختاره الرئيس أنور السادات ليكون وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة وبعدها بعام رُقي إلى رتبة مشير في عهد الرئيس مبارك
لم يكن مجرد وزير دفاع بل كان مؤسسًا لعصر جديد في التصنيع العسكري المصري حيث أسس المدن العسكرية والمصانع الحربية وسعى لتقليل الاعتماد على الخارج في التسليح وكان له دور مركزي في دعم المجاهدين الأفغان ضد السوفييت بالتنسيق مع أجهزة استخباراتية دولية آنذاك وهو ما جعله في قلب السياسة الدولية رغم كونه رجل جيش بدرجة مثقف واستراتيجي كبير
لكن صعوده اللافت وشعبيته الجارفة بين ضباط الجيش والشارع المصري دفع البعض إلى الحذر منه وفي عام 1989 صدر قرار بإقالته فجأة من منصبه ونقله إلى موقع شرفي كمساعد لرئيس الجمهورية وترددت حينها أنباء عن ضغوط أمريكية بسبب مشروع صاروخي مصري عراقي استخدم فيه تكنولوجيا محظورة وهو ما جعل واشنطن تخشى من طموحه وتضغط لإبعاده بهدوء عن مراكز القوة رغم كل ما قدمه
ابتعد بعدها عن الأضواء وظل صامتًا نبيلًا كما اعتاد حتى رحل عن عالمنا في 6 سبتمبر 2008 بعد صراع مع مرض السرطان رحل الرجل وبقيت سيرته المضيئة في سماء الوطن رجل جمع بين العلم والقيادة والسياسة والدهاء والإنجاز الحقيقي وكان أول من نقل الجيش المصري إلى التفكير في الاستقلال التسليحي والتصنيع الدفاعي المحلي
لم ينسَ قريته ولا أصله بل كان دومًا رمزًا للفلاح المصري الأصيل الذي يعرف قيمة الأرض والوطن ويعمل في صمت ليبني في صمت ولذا فإن المشير أبو غزالة لا يُذكر فقط كوزير دفاع بل يُذكر كعقل استراتيجي من طراز رفيع ونموذج يُحتذى به في زمن ندر فيه القادة الذين يحبون الوطن بلا مقابل رحم الله البطل وأسكنه فسيح جناته وخلّد اسمه في ذاكرة مصر العسكرية والتاريخية للأبد
“شاركوا المقال ده لو حاسين إن مصر محتاجة قادة من طينة أبو غزالة تاني”