ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن جمال الدين الأفغاني، وقيل عنه أنه تم الإنقلاب عليه في عهد الخديوي إسماعيل بترتيبات من الإنجليز، وتم نفيه إلي الهند، ولم تتورع الحكومة عن نشر بلاغ رسمي من إدارة المطبوعات بتاريخ الثامن من شهر رمضان سنة ألف ومائتان وست وتسعين من الهجرة، الموافق السادس والعشرين من شهر أغسطس لعام ألف وثماني مائة وتسع وسبعين ميلادي، ذكرت فيه نفي الأفغاني بعبارات جارحة ملؤها الكذب والأفتراء، مما لا يجدر بحكومة تشعر بشيء من الكرامة والحياء أن تسئ إليه، فهي قد نسبت إليه السعي في الأرض بالفساد، وهو الذي لم يكن يسعى إلا إلى يقظة الأمة، وتحريرها من رقة الذل والعبودية، وذكرت عنه أنه رئيس جمعية سرية من الشبان.
ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا، وحذرت الناس من الاتصال بهذه الجمعية، ومن المؤلم حقا أن يتقرر النفي ويصدر مثل هذا البلاغ من حكومة يرأسها الخديوي توفيق باشا وهو على ما تعلم من سابق تقديره للأفغاني، ومن وزرائها محمود باشا سامي البارودي ناظر الأوقاف وقتئذ، وقد كان من اصدق مريديه وانصاره، ونفي جمال الدين من مصر، على أن روحه ومبادئه وتعاليمه تركت أثرها في المجتمع المصري وبقيت النفوس ثائرة تتطلع إلى نظام الحكم، وإقامته على دعائم الحرية والشورى فجمال الدين هو من الوجهة الروحية والفكرية أبو الثورة العرابية، وكثير من أقطابها هم من تلاميذه أو مريديه، والثورة في ذاتها هي استمرار للحركة السياسية التي كان لجمال الدين الفضل الكبير في ظهورها.
على عهد إسماعيل، ولو بقي في مصر حين نشوب الثورة لكان جائزا أن يمدها بآرائه الحكيمة، وتجاربه الرشيدة، فلا يغلب عليها الخطل والشطط، ولكن شاءت الأقدار، والدسائس الإنجليزية، أن ينفى الأفغاني من مصر، وهي أحوج ما تكون إلى الانتفاع بحكمته وصدق نظره في الأمور، وأقام الأفغاني بحيدر أباد الدكن، وهناك كتب رسالته في الرد على الدهريين، وألزمته الحكومة البريطانية بالبقاء في الهند حتى انقضى أمر الثورة العرابية، وبعد أن أخفقت الثورة العرابية، واحتل الإنجليز مصر، فسمحوا للأفغاني بالذهاب إلى أي بلد فاختار الذهاب إلى أوروبا فقصد إليها سنة ألف وثماني مائة وثلاث وثمانين ميلادي، وأول مدينة وردها مدينة لندن، وأقام بها أياما معدودات، ثم انتقل إلى باريس.
وكان تلميذه الشيخ محمد عبده منفيا في بيروت عقب إخماد الثورة، فاستدعاه إلى باريس، فوافاه إليها، وهناك أصدر جريدة العروة الوثقى، وقد سميت باسم الجمعية التي أنشأتها، وهي جمعية تألفت لدعوة الأمم الإسلامية إلى الاتحاد والتضامن والأخذ بأسباب الحياة والنهضة، ومجاهدة الاستعمار، وتحرير مصر والسودان من الاحتلال، وكانت تضم جماعة من أقطاب العالم الإسلامي وكبرائه وهي التي عهدت إلى الأفغاني بإصدار الجريدة لتكون لسان حالها، واشتركا معا في تحريرها.