
بقلم الكاتب/ حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
من “الطريق إلى رمضان” حتى “العروش والجيوش”.. محمد حسنين هيكل يكشف أسرار الحروب، خفايا المفاوضات، وخطايا الأنظمة العربية في إدارة أخطر صراع بالشرق الأوسط.
تحليل ناري من فكر محمد حسنين هيكل حول الصراع العربي الإسرائيلي. من حرب 1967 إلى حرب أكتوبر 1973، ومن الميدان إلى المفاوضات، يكشف هيكل حقيقة إسرائيل ككيان يعيش على الخوف، ويحذر من خيانة العروش العربية التي أهدرت النصر.
كلمات مفتاحية: هيكل، الصراع العربي الإسرائيلي، حرب أكتوبر، حرب 1967، القضية الفلسطينية، إسرائيل، الشرق الأوسط، السلام، العروش والجيوش، الطريق إلى رمضان.
حين تكتب الأقدار أسماء الرجال الذين فهموا الشرق الأوسط، يقف محمد حسنين هيكل في المقدمة.
لم يكن صحفياً فحسب، بل مؤرخ أمةٍ عاش حربها وسلامها، وقرأ الملفات السرية التي لم تصل إلى الجماهير.
في كتبه «الطريق إلى رمضان»، «الانفجار»، «أكتوبر السلاح والسياسة»، و*«العروش والجيوش»*، قدّم هيكل رؤية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي بوصفه صراع وعي لا صراع حدود.
الجذور: إسرائيل مشروع غربي بوجه يهودي
يقول هيكل:
> “لم تولد إسرائيل من رحم التوراة، بل من رحم الاستعمار.”
يرى أن الكيان الإسرائيلي لم يكن مشروعًا قوميًا لليهود بقدر ما كان أداة غربية لتفتيت العالم العربي، وضمان بقاء الغرب ممسكاً بمفاتيح الشرق الأوسط بعد زوال الاستعمار الكلاسيكي.
ويؤكد أن النكبة عام 1948 لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، بل بداية حرب طويلة على الوعي العربي، حيث بدأ الإعلام الغربي يُشرعن لإسرائيل كـ“دولة ديمقراطية في صحراء من التخلف”، وهو الخطاب الذي حذر منه هيكل طويلاً.
نكسة 1967: الهزيمة التي عرّت الواقع العربي
هيكل كتب بعد الهزيمة:
> “خسرنا لأننا لم نعرف أين نقف، ولأننا ظننا أن الشجاعة وحدها تكفي دون معرفة.”
في «الانفجار الكبير في الشرق الأوسط»، وصف حرب 1967 بأنها “زلزال الوعي العربي”، مشيراً إلى أن الأنظمة العربية دخلت المعركة بلا تنسيق، وبلا رؤية استراتيجية.
الهزيمة، في رأيه، كانت سقوطاً للقرار المستقل أكثر مما كانت هزيمة للجيوش.
حرب أكتوبر 1973: استعادة الإرادة العربية
في كتاب «الطريق إلى رمضان»، يرى هيكل أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت ثورة في المعنويات، ونقطة تحول في الوعي العربي.
> “كانت الحرب إعلاناً بأن العرب ما زالوا هنا، وأن التاريخ لم يُغلق صفحته بعد.”
لكنه حذّر من أن هذا النصر قد يتحول إلى خديعة سياسية إن لم يُستثمر لصالح الأمة.
وهو ما حدث لاحقًا — على حد قوله — حين تحوّل النصر إلى ورقة تفاوض، وبدأت بعض الأنظمة تبحث عن “سلام خاص” بدلاً من “تحرير عام”.
إسرائيل كما يراها هيكل: دولة تخاف السلام
أكثر جمل هيكل شهرة كانت:
> “إسرائيل لا تريد سلامًا ينهي الصراع، بل سلامًا يُدير الصراع.”
يعتقد أن إسرائيل كيان يعيش على الخوف الوجودي، وأنها تحتاج التوتر لتبرير تسليحها ودعم الغرب لها.
هيكل وصفها بـ “المشروع المذعور”، وقال إن أخطر ما في إسرائيل أنها تُصدّر الخوف إلى العرب حتى يعيشوا في عقدة الضعف.
العروش والجيوش: من خان المعركة؟
في «العروش والجيوش»، كتب هيكل بحدة:
> “لم تهزمنا إسرائيل، بل هزمنا أنفسنا حين تركنا السلاح للعسكر واحتكر الساسة القرار.”
اتهم الأنظمة العربية بأنها سلّمت معاركها ببطاقات دعوة إلى مؤتمرات سلام مفرغة، وأن الصراع فقد معناه حين صار يُدار بمنطق الكراسي لا الشعوب.
السلام في فكر هيكل: لا يُؤخذ من موقف ضعف
هيكل رفض أن يُختزل السلام في اتفاقيات شكلية.
> “السلام لا يُمنح، بل يُنتزع من موقع قوة.”
وهو يؤمن أن السلام الحقيقي يبدأ حين يمتلك العرب الاقتصاد المستقل والعلم والإرادة، لا حين يكتفون بخطب الأمم المتحدة.
: معركة الوعي مستمرة
من كل ما كتب هيكل، تتضح رؤيته أن الصراع العربي الإسرائيلي لن يُحسم في ميادين الحرب وحدها، بل في عقول الأجيال القادمة.
قال ذات مرة:
> “العرب يمكن أن يُهزموا في معركة، لكنهم لا يُهزمون في التاريخ.
واليوم، بعد عقود على رحيله، ما زالت كلماته صالحة لتفسير واقعٍ عربيٍّ يواجه نفس التحديات، وإن تغيّرت الأسماء والوجوه.
فالحرب — كما قال هيكل — لم تنتهِ، بل تغيّر شكلها من السلاح إلى الإعلام، ومن الجيوش إلى الوعي.





