
كنتُ شاعرًا.. وكان سلاحي كلمة
بقلم: هشام بهنسي
منذ فجر الوعي الأول، حين كانت الحروف في عينيّ ومضاتٍ من نورٍ تبحث عن شكلٍ ومعنى، أدركت أن الكلمة ليست مجرد حبرٍ يُسكب على الورق، بل روحٌ تُسكب من القلب لتسكن الوجود.
كنتُ طالبًا صغيرًا في معهد اللواء الجيّار الأزهري، أحمل حقيبتي ودفاتري، غير أني كنت أحمل شيئًا أثمن: بذرة الشعر التي نبتت في داخلي قبل أن أعرف وزن البحر أو معنى القافية.
هناك، بين دروس النحو والبلاغة والفقه، كنت أتعلم أن اللغة ليست أداةً للتعبير فحسب، بل كائنٌ حيٌّ ينهض إذا صدق قائله ويسقط إذا خان.
وفي زوايا المعهد الهادئة، وبين دفاتر التعبير ومقاطع الإنشاء، بدأت أول خيوط القصيدة تتسلل من ذهني وخيالي لتستقر على الورق بخجلٍ جميل.
لقد ساعدني المعهد الأزهري كثيرًا في صقل هذه الموهبة، فدروسه كانت تمدني بكنوزٍ من المفردات، وأساتذته كانوا يفتحون لي الأفق بعد الأفق.
أتذكّر الأستاذ أنور المشد، ذاك الرجل الذي كان يرى في الكلمة كائنًا من نور، ويؤمن أن الشعر طريقٌ نحو الوعي والجمال. كان يُعيرني دواوين نزار قباني وفاروق جويدة، ويقول لي بابتسامةٍ ملهمة: “اقرأ لتعرف، واكتب لتُعرَف”. فكانت كلماته بوابتي إلى عالمٍ رحبٍ من الخيال والرؤية.
أما الأستاذ محمد خليفة، فكان شعلة النظام والعقل؛ علّمني أن القصيدة لا تُكتب بعاطفةٍ وحدها، بل تحتاج إلى هندسة الفكر وتوازن المعنى.
والأستاذ صفوت عبد المنعم كان نغمة الهدوء والإلهام، من حديثه كنت أتعلم أن الكلمة الهادئة قد تهزّ القلب أكثر من الصرخة.
بينما كان الأستاذ طلعت عبد العاطي مدرسة في الحزم والجمال، يزرع فيّ الإصرار، ويعلّمني أن الشعر مسؤولية وأن الشاعر لا يتهرّب من وجعه بل يصوغه جمالًا.
ولم يكن الفضل للمعهد وحده، بل أيضًا لقريةٍ صنعتني كما تصنع الأم أبناءها.
الخطاطبة — تلك القرية الوادعة — كانت لي وطنًا وهويةً ومصدر إلهام.
من لهجة أهلها الصافية، ومن طيبة وجوههم، تعلمت البساطة والصدق في القول، ومن ترابها تعلمت أن الشعر إن لم يكن نابعًا من الأرض فلن يصعد إلى السماء.
على ترعها كتبت أول بيت، وبين حقولها تأملت معنى الحياة، وهناك عرفت أن الانتماء ليس كلمةً تُقال، بل إحساسًا يُكتب.
ولا يمكنني أن أنسى إخوتي في الدرب، الذين كانت صداقتهم لي دعامة الحلم وأجنحة الانطلاق:
هاني البحيري، روح البهجة والصدق، صديق لا يعرف غير الإخلاص، كان أول من شجّعني حين كنت أتهجّى الشعر بقلبي قبل لساني.
وعادل حمادة، ذاك الهادئ العميق، علّمني أن الصمت أحيانًا أبلغ من القصائد، وأن الحرف لا يُثمر إلا حين يُروى بالصبر.
أما محمد نبيل، فكان قلبًا كبيرًا ورفيقًا دائمًا، يملك تلك القدرة النادرة على أن يراك وأنت لم ترَ نفسك بعد.
ومع مرور السنين، لم تعد القصيدة عندي تسليةً أو موهبة، بل صارت رسالةً ومسؤولية.
كنت أكتب لأن الكتابة كانت قدرًا، ولأن الكلمة — في نظري — سلاحٌ نبيل، لا يُراق به دمٌ بل يُبعث به وعي.
ومن رحم تلك القناعة وُلدت خطواتي الكبرى؛
فحصلت على جائزة جامعة الأزهر في الشعر، ثم المركز الثاني على مستوى الوطن العربي في الشعر العامي، لأدرك أن الطريق الذي بدأته طفلًا في معهد صغير صار جسرًا يمتد نحو العالم العربي بأسره.
ثم كانت مشاركتي في ثلاثة مهرجانات دولية، حملت فيها صوتي ولهجتي ومفرداتي، ووقفت أمام شعراء من أوطانٍ شتّى، أؤمن أن مصر هي القصيدة الكبرى التي لا تموت، وأن الكلمة المصرية — حين تصدق — تستطيع أن تُدهش العالم.
ولأن الاعتراف بالفضل شيمةُ النبلاء، فلن أنسى ما لقيته من تكريمٍ من جهات حكومية وأهلية، تقديرًا لمسيرتي شاعرًا وصحفيًا، لكني كنت دائمًا أرى أن أعظم تكريمٍ هو ابتسامةُ قارئٍ وجد نفسه في بيتٍ كتبته.
واليوم، حين أعود بذاكرتي إلى الوراء، لا أرى طفلاً في زيٍّ أزهريٍّ يكتب على هامش كراسة، بل أرى بذرةً آمنت بالحلم، فصارت شجرةً تُظلّل أجيالًا قادمة من الكلمة والصدق.
كنت شاعرًا، نعم،
لكنّي قبل ذلك كنت مؤمنًا بأن أعظم المعارك لا تُخاض بالسيوف… بل بالأقلام.
فقد كان سلاحي، وما زال، كلمة.
نبذة عن الكاتب
هشام بهنسي — شاعرٌ وصحفي مصري، حاصل على جائزة جامعة الأزهر في الشعر، والمركز الثاني على مستوى الوطن العربي في الشعر العامي.
شارك في ثلاثة مهرجانات دولية، وكرّمته جهات حكومية وأهلية على إبداعه الأدبي والصحفي.
تخرّج من معهد اللواء الجيّار الأزهري، وتُعدّ قريته الخطاطبة المنبع الأول لتكوينه الإنساني والشعري.
يشغل حاليًا منصب رئيس تحرير مجلة إشراقة الأدبية والفنية، ومدير مكتب جريدة الأسبوع العربي نيوز بمحافظة المنوفية، وكاتبًا بجريدة نيويورك تايمز بالعربية، واستشاريًا بالمركز الدبلوماسي بالمهندسين.
يؤمن بأن الكلمة وعيٌ وسلاح، وأن الشعر ليس ترفًا بل ضمير أمة.





