
كلنا مرضى نفسيين
بقلم: سيد جلال الفرماوي
دعونا نكفّ عن الكذب…
ونتوقف لحظة عن لعب دور “الأسوياء”.
الحقيقة الصادمة التي لا نحب الاعتراف بها هي أننا كلنا مرضى نفسيين…
نعم، لكن بدرجات مختلفة، وبمسميات اجتماعية ألطف.
ذاك الذي يضحك طوال الوقت؟
ربما يهرب من حزن ثقيل لا يحتمله قلبه.
وذاك الذي يغضب لأتفه الأسباب؟
قد يكون مشبعًا بالقهر أكثر مما يحتمل إنسان.
وذاك الصامت دائمًا؟
ليس حكيمًا كما نظن، بل منهك من الكلام بلا جدوى.
نحن نعيش في عالم يستهلك أرواحنا ببطء:
ضغوط معيشة، خوف من الغد، خيبات متراكمة، علاقات سامة، وأحلام مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
ثم نُطالب في النهاية بأن نكون “متوازنين نفسيًا”!
كيف نكون أصحاء
ونحن نُجبر على التنازل كل يوم؟
كيف نكون طبيعيين
ونحن نبتلع الإهانة باسم لقمة العيش؟
كيف ننام بسلام
وأذهاننا لا تتوقف عن القلق؟
المشكلة ليست في المرض النفسي…
المشكلة في الوصمة.
نخجل أن نقول: “أنا تعبان”.
نخاف أن نعترف: “مش قادر أكمل”.
نخشى نظرة المجتمع أكثر من وجعنا نفسه.
نُجيد التمثيل ببراعة:
نضحك في العلن،
وننهار في الخفاء.
نُتقن ارتداء الأقنعة،
حتى نسينا ملامح وجوهنا الحقيقية.
المرض النفسي ليس ضعفًا،
ولا قلة إيمان،
ولا “دلع” كما يدّعي البعض.
هو نتيجة طبيعية لإنسان عاش أكثر مما ينبغي،
وتحمّل فوق طاقته،
وسكت طويلًا.
نحن لا نحتاج إلى محاكم أخلاقية،
بل إلى مساحات أمان.
لا نحتاج إلى نصائح جوفاء،
بل إلى آذان تسمع دون حُكم.
ربما لو تصالحنا مع حقيقة أننا لسنا بخير دائمًا،
سنكون أكثر رحمة…
أكثر تفهمًا…
وأقل قسوة على أنفسنا وعلى غيرنا.
في النهاية،
لسنا مرضى لأننا ضعفاء،
بل لأننا بشر.
وأن تكون إنسانًا في هذا الزمن…
فهذا وحده كافٍ ليُتعبك نفسيًا.





