الأسبوع العربيقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

عندما ترقص الدجاجة في الليل…

عندما ترقص الدجاجة في الليل…

قصة قصيرة

مقالات ذات صلة

بقلم / عمرو صلاح

ليس لك في الأمر شيء، كلّه بأمره. الدنيا اختبار، مش اختيار. سلّم أمرك لله، وكلّه بيعدّي.
تحدّث إليّ وهو جالس على المقهى، مواسيًا لي بعدما علم بما آل إليه حالي. كان رجلًا مسنًّا، اسمه الحاج أحمد الفقي، في العقد السابع من عمره، يرتدي جلبابًا، ويحتسي الشاي، ويدخّن الشيشة.
فركتُ بيدي جبهتي وأنا أقول:
— ونعمة بالله… الحمد لله على كل حال.
ما حلّ بي من خطب، جرّاء طردي من العمل، ترك في نفسي جرحًا وألمًا. ما عساي أن أفعل؟
لقد طُردت من العمل عدة مرات من قبل، وفي أغلب الأحيان آتي وأجلس في مجلسي هذا مع ذلك المسنّ، الذي يلقي عليّ تلك الكلمات المحفوظة، لعله يواسيني، ولعلها تكون سببًا في تحمّلي وصبري حتى يأتي الفرج.
اسمي محمد عبد الغفار، أبلغ من العمر سبعةً وثلاثين عامًا. تخرّجت في معهد فني تجاري، والتحقت بوظائف عدة؛ كنت نادلًا في مقهى، وعتّالًا، وفرد أمن، وغاسل صحون في مطعم فول بالسيدة، وعملت في أعمال كثيرة لا أكاد أتذكّرها. في كلّها، أو أغلبها، كان يتم طردي بسبب لساني؛ هذا الذي لا أستطيع أن أمسك بتلابيبه، ودائمًا ما يندفع منّي قبل أن أفكّر.
كم كنتُ مغفّلًا، ولم أستمع إلى نصائح ذوي القربى والأصدقاء.
كم مرة نصحوني أن «أمشي حالي»، وألّا أعمل فيها مصلحًا، وأن أساير الجو:
ليه تسميه نفاق؟ اسمه مجاملة.
ليه تسميه كذب؟ اسمه فهلوة وتشغيل دماغ.
ليه تسميها رشوة؟ دي إكرامية، أو مراضية، أو… أو… أو…
وأنت دماغك ناشفة، وها أنت بتدفع الثمن.
نعم، عندهم حق. دماغي أنشف من الصرمة القديمة.
ما زلت محتفظًا ببعض القيم التي لا أحيد عنها تحت أي ظرف، وأنا وحدي من يدفع الثمن.
لم أحصل على زوجة، وليس عندي شقة، ولولا أمي التي تأويني في تلك الحجرة الموروثة عن أبي، لكان مصيري أن أتخذ من الرصيف سريرًا، وأن ألتحف بالسماء.
أنا وحدي من يدفع الثمن.
كل من أعرفهم تزوّجوا وأنجبوا، وأنا ما زلت أبله، متمسّكًا ببعض القيم والمبادئ التي يبدو أنها أصبحت بالية، مهترئة. وأنا أقوم بترقيعها كلما أوشكت على الهلاك، حتى كدت أنا أن أوشك على الهلاك.
مرّ بي في المقهى صديق اسمه سيد. جلس، وقد لاحظ ما يعتريني من همّ، وطلب شايًا، ثم نظر إليّ وقال:
— إيه… مالك؟ ما تروق كده وتسيبها على الله.
نظرت إليه باسمًا، ثم قلت:
— كلّه على الله.
ثم سألني عمّا أهمّني، وكان الحاج أحمد الفقي قد قام بالرد عليه وهو يُخرج دخان الشيشة من أنفه، فحكى له عن طردي بسبب أنني لم أرضَ أن أساير البائع وأقتسم معه ما تم بيعه دون علم صاحب المحل. فقام البائع بواجبه، وأبلغ صاحب المحل أنني أسبّه في غيابه، وكان هو أقدم مني وأصدق عند صاحب المحل، فقام بطردي.
انتهى الحاج أحمد من حكاية تلك المأساة، ثم أردف قائلًا:
— معلش يا بني، هو متعوّد على كده، مش أول مرة يعني… وبكرة تفرج.
ربّت سيد على كتفي، يواسيني هو الآخر.
— إن شاء الله تلاقي شغل أحسن عن قريب.
هكذا قال.
احتسى سيد الشاي، وقبل أن يقوم قال لي:
— على فكرة، فرح نعمة، بنت أختي، النهارده. وأنت عارف إنك غالي عليها جدًا، وأكيد مستنيّاك بالليل ضروري على سطح البيت… ما أنت عارفه.
قمت فاحتضنته وقبّلته مباركًا، وأنا أردد:
— ألف ألف مبروك! ياااه… الصغنّنة كبرت وها تتجوز!
— ربنا يتمّم لها على خير.
— أكيد جاي إن شاء الله… أول واحد.
مشى، وعدت إلى مجلسي، وقد دار في خلدي:
سبحان الله… البنت كانت لسه بتلعب في الحارة، أصبحت عروسًا!
ثم مرّت سحابة حسرة فوق رأسي، أمطرت دموعًا غير مرئية، وبعثت أسئلة وتأنيبًا:
وأنت، أيها الأبله… إلى متى ستظل هكذا؟
قمت من المقهى، وتوجّهت إلى البيت، وقد حملت بعض الأرغفة والجبن لأمي. صعدت الدرج، ودلفت إلى الحجرة، وسلّمت على أمي، وجلست جوارها.
أرسل المؤذّن بصوته العذب كلماتٍ تصدح، وتعلن أذان المغرب.
قمت، وأخذت غيارًا وفوطة، وتوجّهت نحو الحمّام لأستحمّ.
خرجت وقد وضعت عطرًا وصفّفت شعري. لاحظت أمي ذلك، فأخبرتُها، ففرحت ودعت الله لي أن يرزقني ببنت الحلال.
تبسّمتُ وتألمتُ في الوقت نفسه.
نزلت، ثم توجّهت إلى حارة العروس، وصعدت الدرج حتى وصلت إلى السطح.
كان الناس يصعدون خلفي وأمامي، والأنوار تزيّن البيت من الخارج والداخل.
وصلت إلى السطح، وكان هناك جمع غفير. مسرحٌ عليه كوشة تجمع العريس بالعروس، وصوت الغناء يصدح بقوة.
نظرت أبحث عن صديقي سيد حتى وجدته. كان مشغولًا باستقبال المعازيم. استقبلني بالأحضان، ورحّب بي، ثم سحبني من يدي إلى العروس لأبارك لها.
قامت وسلّمت عليّ، ثم قبّلتني ودعت الله لي أن تفرح بي عن قريب.
وأنا ما زلت محتفظًا بالابتسامة التي تظل عالقة على وجهي.

حتى أجلسني سيد، وقدّم لي طعامًا ومشروبًا.
جاء بعض زملاء الدراسة، ومعهم زوجاتهم وأبناؤهم. سلّمت عليهم، وجلس بعضهم معي.
انتهيت من الطعام واحتسيت المشروب، وإذا بسيد يأخذ بيدي ويصعد بي إلى المسرح لنرقص سويًّا.
رقصت وفي يدي عصا، وهم يشجّعونني على رقصي، الذي بدا في أعينهم جيدًا.
رقصت كثيرًا، وأنا أدور مثل راقص التنّورة.
أصوات الغناء تصدح، والتصفيق يزداد.
ذُبت في الرقص، حتى شعرت أنني خفيف جدًا… أكاد أطير.
مذبوح…
ولا أعرف مَن الذي ذبحني؟
ولماذا؟
سقطت دمعات كزخّات المطر، ثم زادت، ففسّرها بعضهم بأنها دموع الفرح.
ما زلت أرقص وأدور، حتى شعرت أن روحي تصعد إلى السماوات، وتأخذ في الترقّي إلى عوالم أخرى…
حتى سقطت.
لا أدري شيئًا.
أكاد أسمع همهمة هنا وهناك، وأصواتًا تقول:
— لازم يتحط على جهاز تنفّس صناعي.
أكاد أشعر بمن حولي، وبقايا دموع أحسّها على وجهي، الذي ما زال يحتفظ بتلك الابتسامة العالقة.
وقد رأيت تحليق روحي…
أظنّها صعدت، ولن تعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى