
عليكم أنفسكم
بقلم د. هويدا مروان
الآية الكريمة من سورة المائدة(( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون)) المائدة (105). يصب تفسيرها في مسألة الانشغال بإصلاح النفس وتهذيبها والعمل على تزكيتها.
النفس تلك التي وصف جهادها بالجهاد الأكبر، ذلك العدو اللدود الذي يقف لنا بالمرصاد وتفوق عدواته عداوة إبليس إن لم تروض. وهى التي ألهمها الله تعالى فجورها وتقواها وقد أفلح وفاز وسعد من زكاها. والتزكية تعني التطهير والوصول بالنفس إلى منزلة متقدمة من الرقي حتى تصل إلى أعلى مدراج سموها فتصبح مطمئنة.
فقضية الانشغال بإصلاح النفس وسبر أغوارها وتزكيتها لا مبالغة في وصفه بقضية العمر لكل إنسان، والتي يجب أن يسخر لها كل طاقاته؛ فالمسألة مصيرية وإهمالها لا مجال فيه للندم يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا مجتمع.
ومن هنا وجب الانتباه إلى مكمن الخطورة في مسألة إهمال النفس والانشغال بالغير. فإن تركنا أنفسنا التي كُلفنا بتزكيتها وانشغلنا بعيوب وهنات وهفوات وزلات الآخرين تكون النتيجة كارثية. ومن اللافت للانتباه أن الله تعالى لم يأمرنا إلا بتزكية أنفسنا ولن يحاسبنا إلا بما اكتسبت ولم يحملنا إلا ما تطيقه ويقع فى وسعها. ورد ذلك في أكثر من موضع فى كتابه العزيز.
ومع كل ما ورد من توجيهات وتنبيهات إلهية من العلي القدير الذي خلق فسوى وقدر فهدى وهو الأعلم بما يضر وينفع لانرى على الصعيد الاجتماعي والفضاء الرقمي إلا نقاد ومنظرين ومصنفين ومصدرين أحكامهم على الناس، هذا صالح، وهذا رائع ، وهذا فاسد، وهذه جميلة ، وتلك ثرثارة، ويجب وينبغي أن تتصرف وتسلك بالطريقة كذا فى الموضوع كذا. مجموعة لا حصر لها من الموجبات والينبغيات وكأن الكل يحمل مجهره ليشرح به تصرفات وسلوكيات الغير.
الحقيقة أنهم بذلك كلفوا أنفسهم فوق طاقتها وما يخرج عن وسعها، هذه النفس ليس من مهامها التنظير والمزايدة على الغير وإجبارهم على الانصلاح؛ ولكن الأصل الأصيل هو الانشغال بإصلاحها، وذلك لا يتنافى بالقطع مع مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكن ذلك له آلياته وحدوده وطرائقه التي لا تخرج عن نطاق الجدال والنصيحة بالتي هى أحسن من القول اللين وإظهار المحبة والود والرغبة في المساعدة في الأخذ بيد الغير لطريق السمو والرقي التى أرادها الله لعباده.
ماذا لو انشغل كل فرد بتلك التي هى سبيله للنجاة، كما أنها إن تركت دون تزكية أوردته موارد الهلاك؟! وكما ورد في الأثر ” شغلتني عيوبي عن عيوب الناس” عيوب الناس التي هى زلاتهم وعوراتهم التي يستمتع البعض بتتبعها وكشف سترها ولا يعلم أن الدائرة ستدور بالقطع عليه.
ولا يخفى على أحد ما يدور على صفحات ومواقع الفضاء الرقمي من تتبع لأسرار الناس وهتك سترهم والسعي لنشر ما يطلقون عليه” فضائحهم” مما سولت لهم أنفسهم التي توحشت وأظلمت ببعدها عن منهج الله القويم الذي أمر بالستر. أعتقد أن من يفعل ذلك ويستمتع به يفعله من باب التبرير لنفسه بأنه ليس الأسوأ وأن هناك من يشبهه؛ أى أن ذلك دليل على قبح نفسه التي أهملها في خضم انشغاله بالحكم على أفعال الآخرين.
وبالطبع ما يدور على الصفحات الإلكترونية هو الصورة الحديثة من مجالس الغيبة والخوض في أعراض وأسرار الناس التي تعج بها اللقاءات الاجتماعية، وكلنا يعلم الحكم الشرعي لذلك الإثم والوصف القرآني الذي ينفر من تلك الفعلة.
وبناء على ما سبق وجب علينا الانتباه والحذر وتجنب التلبس بذلك الفعل الآثم حتى لا نعرض أنفسنا لغضب الله جل وعلا وأن تدور علينا الدائرة لنذوق عاقبة ما ارتكبنا ولينشغل كل منا بإصلاح نفسه وتطهيرها لتسمو وترقى، وتستحق خلافة الله فى الأرض ويتوالى التقدم بفضل انغماس كل فرد في دوره المنوط به وعمله الدؤوب على إصلاح أخطائه والإحسان فيم ينجز.





