أخبار عربيهثقافة

سماسرة الزيجات العابرة”

“سماسرة الزيجات العابرة”
هاله فؤاد /تكتب
 تجارة بالبشر تحت ستار “السترة” والأهالي هم الضحية والجاني
في أزقة القرى الفقيرة وداخل غرف الدردشة المغلقة، تدور رحى تجارة من نوع خاص، لا تُباع فيها السلع بل تُعرض فيها “أحلام الفتيات” للمزاد العلني. ظاهرة زواج القاصرات والفتيات المصريات من أجانب (غالباً من جنسيات خليجية) عبر “سماسرة” ليست مجرد خرق للقانون، بل هي جرح غائر في جسد المجتمع المصري يستوجب الوقوف على تفاصيله المرعبة.
من هو “السمسار”؟.. خيط الجريمة الأول
يبدأ السيناريو عادة بشخص يحظى بثقة أهل القرية، قد يكون محامياً غير مرخص، أو سيدة تتردد على المنازل بحجة “توفيق الرؤوس في الحلال”. هؤلاء السماسرة يمتلكون شبكة علاقات تبدأ من “الكفيل” أو الوسيط في الخارج، وتنتهي عند عتبات البيوت التي نهشها الفقر.
دور السمسار يتلخص في:
التسويق: تصوير الفتيات وعرض صورهن على “زبائن” محتملين.
التفاوض: تحديد “سعر” الفتاة تحت مسمى “المهر” أو “الشبكة”، والتي يذهب جزء كبير منها لجيوب السماسرة كعمولة.
التضليل القانوني: إقناع الأهل بتوقيع عقود زواج عرفية أو “صورية” تضمن حقوقاً وهمية، مع التهرب من توثيق الزواج رسمياً لصغر سن الفتاة.
“صفقة الفجر”.. كيف يتم البيع؟
لا تستغرق الرحلة من “المعاينة” إلى “الزفاف” سوى أيام قليلة. يأتي الزبين، الذي غالباً ما يكون في خريف العمر، ليتزوج فتاة في مقتبل العمر. يتم الزفاف في الخفاء، وغالباً ما يكون زواجاً “موسمياً” ينتهي بانتهاء إجازة الزوج، لتبدأ مأساة الفتاة التي تجد نفسها مطلقة، أو مهجورة، وفي بعض الأحيان “حامل” بطفل لا يعترف به أحد.
الدوافع: الفقر والجهل هما وقود الأزمة
لماذا يوافق الأب على بيع ابنته؟ الإجابة تكمن في مثلث الخطر:
العوز المادي: الديون المتراكمة والرغبة في تحسين مستوى المعيشة تجعل الأهل يغمضون أعينهم عن مصير ابنتهم.
ثقافة السترة الخاطئة: الاعتقاد بأن الزواج من ثري هو تأمين لمستقبل الفتاة، حتى لو كان زواجاً مؤقتاً.
غياب الوعي القانوني: عدم إدراك الأهل أن ما يحدث هو “اتجار بالبشر” يعاقب عليه القانون المصري بالسجن المشدد.
الصرخة القانونية والحقوقية
تؤكد المنظمات الحقوقية أن هذه الزيجات تندرج تحت بند “الاستغلال الجنسي”. فالقانون المصري رقم 64 لسنة 2010 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر، واضح وصريح في تجريم هذه الممارسات. كما أن التعديلات التشريعية رفعت سن الزواج إلى 18 عاماً، ووضعت شروطاً قاسية لزواج الأجانب من مصريات (مثل فارق السن وإيداع مبالغ مالية في البنك المركزي)، لكن السماسرة يلتفون على ذلك بالعقود العرفية “البرانية”.
قصص من الواقع: “ضحايا خلف الأسوار”
تقول (س. م)، فتاة لم تتجاوز الـ 17 عاماً من إحدى قرى الجيزة: “أقنعني السمسار أنني سأعيش في قصر، وبعد شهر واحد من الزواج، رحل زوجي وأغلق هاتفه، واكتشفت أنني حامل، وأهلي الآن يرفضون استقبالي خوفاً من الفضيحة”. هذه ليست قصة فردية، بل هي لسان حال المئات اللواتي تحطمت حياتهن على صخرة الطمع.
كيف نواجه سماسرة “لحم البنات”؟
إن المواجهة لا تقتصر على الأمن فقط، بل تتطلب تكاتفاً مجتمعياً:
تغليظ العقوبات: ليس فقط على السمسار، بل على ولي الأمر الذي يفرط في حق ابنته.
التوعية الدينية: دور المؤسسات الدينية في توضيح أن هذا النوع من الزواج “باطل” ومحرم شرعاً لأنه يفتقد لشرط الاستدامة والنية الصادقة.
التمكين الاقتصادي: توفير مشروعات صغيرة للأسر الأكثر احتياجاً لسد ثغرة الفقر التي يدخل منها السماسرة.
“بنات مصر” لسن سلعة تُباع وتُشترى في سوق النخاسة الحديثة. سماسرة الزواج هم تجار بشر يرتدون ثياب الواعظين، والقضاء عليهم يبدأ بوعي الأب وصحوة الضمير المجتمعي، قبل قبضة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى