
بقلم خالد مراد – كاتب ومحلل سياسي وناقد
سقوط لا يشبه السقوط
حين يكتب التاريخ، لا يرحم الزعماء الذين ظنّوا أن السلطة درعٌ ضد الحساب. واليوم، يعيش نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الأسبق، هذه الحقيقة كاملة وهو خلف القضبان بعد إدانته بتمويل غير قانوني لحملته الانتخابية.
لكن المفارقة الأكبر أن فرنسا لم تسجنه فقط، بل أحاطته بحراسة شرطية دائمة داخل زنزانته، ليصبح السجين المحميّ لا السجين المعاقَب، في مشهد يعكس ازدواجية الجمهورية بين الصرامة والرمزية.
🔻 من الإليزيه إلى لا سانتيه
منذ وصوله إلى قصر الإليزيه عام 2007، مثّل ساركوزي طموحًا متفجرًا لإعادة فرنسا إلى قمة أوروبا. غير أن سنواته في الحكم كانت مليئة بالصفقات والعلاقات المالية المشبوهة التي فجّرت لاحقًا قضية “بيغماليون”، أكبر فضيحة تمويل انتخابي في تاريخ الجمهورية الخامسة.
ورغم نفيه المستمر، أصر القضاء الفرنسي على إدانته، ليبدأ تنفيذ حكمه في سجن لا سانتيه بباريس وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة.
هكذا انتهى الرجل الذي كان يقرر مصائر الملايين إلى زنزانة ضيقة، لكن محروسة كما لو كانت جناحًا رئاسيًا مصغّرًا.
⚖️ عدالة بوجهين
من زاوية، تمثل القضية انتصارًا لدولة القانون التي لا تفرّق بين رئيس ومواطن.
ومن زاوية أخرى، فإن إحاطة السجين بحراسة خاصة تُعيد التساؤل القديم: هل المساواة مطبقة فعلاً حين يُعامل رئيس سابق بمعايير مختلفة؟
فرنسا تعاقب ساركوزي باسم العدالة، لكنها تحميه باسم الرمزية. وكأنها تحاكمه بعينٍ وتُجله بالأخرى، في محاولة للقول إن هيبة الدولة لا تُكسر حتى لو كُسرت القوانين.
🌍 أوروبا تراقب
في زمنٍ يزداد فيه الاحتقان بين الشعوب ونخبها، تحمل محاكمة ساركوزي رسالة أوسع للعالم:
أن الديمقراطية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يُحاسب الأقوياء.
ومع ذلك، فإن المشهد الفرنسي يثير قلقاً داخل أوروبا، التي ترى في هذه المحاكمة اختبارًا لتوازن حساس بين سلطة القانون وذاكرة الأمة.
فكل ديمقراطية تواجه لحظة كهذه — حين يصبح رمزها السابق متّهماً — إما أن تخرج أقوى أو أكثر انقسامًا.
🕯️ بين العار والدروس
من داخل زنزانته، يبدو ساركوزي اليوم كأنه مرآة لزمنٍ سياسي فقد بريقه.
لكن العدالة الفرنسية، وإن قست عليه، منحت الأجيال القادمة درسًا نادرًا:
أن المنصب لا يمنح العصمة، وأن الدولة القوية هي التي تسجن رموزها إن أخطأوا، لا التي تُخفي جرائمهم خلف الأبواب.





