أخبار عربيه

زيارة إلى الأرض المشتعلة

 

بقلم: د. غادة محمد عبد الرحمن

تمر مئات الأيام والأرض مازالت مشتعلة.
والفضائيات والصحف اليومية تطالعنا بالأخبار.
حرق، وهدم، ودمار.
وشعب محاصر في دائرة الموت.
ولكن هل هذا كل ما يجري؟ … لا نظن
فنحن على يقين من أن الصور لم تبوح بكل الأسرار،
وأن الكلمات عاجزة عن وصف ما يحدث.
ولا يمكن إدراك بشاعة المشهد إلا بالوقوف على أرض الواقع.
إذن، علينا أن نسافر إلى الأرض المشتعلة.
فهي الآن أحق البقاع بشد الرحال.
ولكن ما الوسيلة؟
فلا نمتلك سفينة نوح، ولا براق ليلة الأسراء.
والخيول العربية لم تعد قادرة، بعد أن إقتصر دورها على جر الحناطير.
ولهذا علينا أن نطلق العنان لأرواحنا لتسافر بمفردها، وتترك الأجساد المكبلة بقيود الضعف والخنوع.
لتعود إلينا بأقرب ما يكون إلى الحقيقة.
فربما، ربما بشاعة المشهد تحيي ضمائرنا ،وتثير ما بداخلنا من إنسان.
وتنطلق أرواحنا التواقة دائماً للبقعة المباركة، المشتعلة منذ شهور.
وها هي تلوح عن بعد، فتقترب أكثر فأكثر.
ألسنة اللهب تتصاعد، تعلوها سُحب الأدخنة السوداء.
رائحة الموت تملأ المكان، مختلطة بها رائحة المسك المنبعثة من الدماء الذكية المسفوكة في شتى الطرقات.
والجوارح تحلق في السماء، منتظرة الإنقضاض على وليمة الأشلاء البشرية المتناثرة في كل الأنحاء.
وتتعمق أرواحنا في الأرض المشتعلة.
بقايا مباني وأطلال لبيوت كانت تدب فيها الحياة منذ شهور قليلة.
تحدق أرواحنا في الركام المحيط من كل إتجاه.
الأنقاض تروي ألاف القصص غير المكتملة.
ها هو حطام منزل مبعثرة بين ركامه لعب أطفال محطمة، وملابس لصغار مغطاه بالأتربة، وصدى صوت لضحكات بريئة.
وأطلال منزل آخر مفروش الأركان بالأقلام وأوراق الكتب والدفاتر الممزقة، وكراسة رسم اختلط على صفحاتها الدم مع الألوان، وحقيبة مدرسية ملقاة، كانت سترافق التلاميذ في رحلتهم اليومية إلى المدرسة في الصباح، ولكن لم يأتي الصباح.
وبيت مهدم تتوارى تحت ركامه بقايا ثوب زفاف محترق، تحكي عن الفرحة المبتورة، والدنيا الجديدة المنتهية قبل أن تبدأ.
وجدار تحدى القنابل والصواريخ وظل واقفاً، مكتوب عليه أسماء لأشخاص دفنوا تحت الركام ولم يُعثر عليهم بعد.
وتتجول أرواحنا بين الأرجاء.
ملقاه في الطرقات حقائب بها أجسام ممزقة لأطفال جرحى دخلوا المشفى للشفاء فتحولوا أشلاء.
وكف صغير تخلى عن الجسد ولكنه لم يتخلى عن كسرة الخبز لشدة الجوع.
وأكواب ماء جافة، وأواني فارغة، وأجساد مازالت على قيد الحياة أصبحت أشبه بالرفات بعد شهور من التجويع.
وأم ثكلى تبحث عن أبنها الأبيضاني الحلو أبو شعر كيرلي.
وصغير يرتجف، وطفلة تشكو ظمأها لكوبها الفارغ، وصبي يبحث عن أطرافه المبتورة.
وخيام مشتعلة بداخلها أجساد ممزقة.
وقنابل فتاكة تطارد شعب أعزل، يحيط به سلك شائك، ولا سبيل للنجاة.
وصدى لأصوات متداخلة يطوف بين أرجاء الأرض المشتعلة، صوت أذان حزين يعانق رنين أجراس الكنائس الباكي، أنين جرحى وصرخة طفل جائع، نحيب أم ثكلى وبكاء شيخ يريد المقاومة ولكنه لا يملك بندقية، وصوت الإنفجارات سيد الموقف.
وتطوف أرواحنا بين النيران، والأنقاض، وجثامين الشهداء، في مشهد رهيب، لم تقوى أرواحنا على مواجهته أكثر من ذلك، وتعود إلينا من جديد، ولكن ماذا تقول؟
فقسوة الواقع أكبر من أي كلمات، وبشاعة ما يجري تفوق الوصف.
ولهذا أكتفت أرواحنا بأن تبلغنا.
إن الأرض مازالت مشتعلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى