
حين تستقيم الرؤية
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان,)
إنَّ في رحلة العمر محطاتٌ خفية، لا تُقاس بعدد السنين، بل بعمق التجارب وحصيلة الانكسارات التي تجبرُها الحكمة. ستصل يوماً ما وهو يومٌ لا ريب فيه لمن أحسن الإنصات لدروس الحياة إلى تلك الذروة من النضج الوجداني والسكينة النفسية، حيث تتضح أمام عينيك الرؤية التي كانت تغبشها العواطف المتأججة والاندفاعات الطفولية.
في تلك المرحلة، ستجد في نفسك ترفُعاً لم تعهده، وقوةً هادئة تجعلك تلفظ كل ما هو مؤقت؛ فما عدت ذلك الشخص الذي يرهن قلبه لعلاقة عابرة، أو يلقي بمرساته في شواطئ غير مستقرة. ستدرك أن الوقت أغلى من أن يُهدر في حكايات لها تاريخ صلاحية قريب، وأن نفسك أعز من أن تُوضع في كفّ من لا يدرك قيمتها الأبدية.
ستصل إلى تلك القناعة الراسخة التي تجعلك تزهد في الصداقات الباردة؛ تلك التي تشبه الوقوف تحت شمس الشتاء، لا هي تمنحك الدفء ولا هي تسمح لك بالرحيل. ستتعلم أن الوحدة في رحاب الذات أكرمُ ألف مرة من ازدحامٍ يملؤه التكلف، وأن الصديق الذي لا يلمس روحك في لحظات انطفائها لا يستحق أن يشغل حيزاً في أيام مسرّتك.
علاوة على ذلك، سيتملكك زهدٌ عجيب في الجدالات الحمقاء التي لا طائل منها؛ تلك المعارك الوهمية التي تُستنزف فيها الطاقات وتُهدر فيها الكلمات لتثبيت وجهات نظر لن تغير من الواقع شيئاً. ستؤثر الصمت الجميل، ليس ضعفاً، بل إدراكاً منك بأن راحة بالك لا تُقدّر بثمن، وبأن العقول الضيقة لا تتسع لآفاق الحقيقة مهما علا صوتك بالبرهان.
وفي ختام هذا المخاض الفكري، ستجد نفسك قد أعلنت البراءة من التعلق بالزائفين؛ أولئك الذين يرتدون الأقنعة ليواروا سوءات نواياهم. ستصبح بصيرتك نافذة، تميز بها بين الذهب والزخرف، وبين من يحبك لذاتك ومن يحبك لغرضٍ في نفسه. إنها مرحلة “الاكتفاء بالحق”، حيث لا مكان لغير الصادقين، ولا بقاء إلا لما كان حقيقياً، عميقاً، وممتداً بامتداد الروح.


