
المرض النفسي في مصر القديمة
بقلم سلوي حسين
رئيس قسم الصحة النفسيه بجريده الأسبوع العربي*
المقدمة*
يُعَدّ المصريون القدماء من أوائل الشعوب
التي اهتمت بدراسة النفس البشرية وفهم علاقتها بالجسد والروح فقد نظروا إلى الإنسان نظرة شمولية تجمع بين الجسد والعقل والروح، واعتبروا أن التوازن بين هذه الجوانب هو أساس الصحة، بينما يؤدي اضطراب أحدها إلى المرض، سواء كان جسديًا أو نفسيًا.
مفهوم المرض النفسي عند المصريين القدماء*
لم يكن هناك في مصر القديمة مصطلح محدد لما نعرفه اليوم بـ”المرض النفسي”، لكن النصوص الطبية والدينية تشير إلى وعي واضح بوجود اضطرابات في الفكر والمزاج والسلوك.
كان يُعتقد أن المرض النفسي قد ينتج عن:
1. اختلال توازن الروح (كا أو با) داخل الإنسان.
2. تسلّط الأرواح الشريرة أو غضب الآلهة.3. الذنوب أو الأفعال الخاطئة التي تزعزع الانسجام الروحي.وهذا يوضح أن المصريين القدماء ربطوا بين الأخلاق، والدين، والصحة النفسية بشكل وثيق.
الأدلة على وجود الاضطرابات النفسية*وردت إشارات إلى حالات تشبه القلق 😟 والاكتئاب 😔 والذهان 🤯 في عدد من البرديات الطبية مثل:بردية إيبرس (حوالي 1550 ق.م): تناولت أمراض القلب والعقل، ووصفت حالات من “اضطراب الفكر” و”اضطراب النوم” و”الحزن الشديد”.بردية كاهون: تضمنت إشارات إلى اضطرابات انفعالية تصيب النساء بعد الولادة وهي تشبه ما نعرفه اليوم باكتئاب ما بعد الولادة.
كما وُجدت إشارات إلى أشخاص كانوا يتحدثون مع أنفسهم أو تظهر عليهم نوبات غضب أو فزع، وفسّرها الكهنة بأنها “مسّ من روح شريرة” طرق العلاج*
اعتمد المصريون القدماء في علاج الأمراض النفسية على الدمج بين العلاج الديني والطبي والنفسي، ومن أبرز الوسائل:
1. العلاج الروحي والديني:تلاوة التعاويذ والصلوات
تقديم القرابين للآلهة مثل الإله تحوت (إله الحكمة والعقل) أو الإلهة إيزيس (إلهة الحماية والأمومة).
استخدام الرموز المقدسة والتمائم لطرد الأرواح الشريرة 2.العلاج الطبي والعشبي:
وصفات عشبية لتهدئة الأعصاب وتحسين النوم الحمامات والزيوت العطرية والتدليك كوسائل للاسترخاء
3 العلاج النفسي والاجتماعي*
كان الكهنة والمعالجون يقومون بما يشبه “الاستماع العلاجي” أي الإصغاء للمريض وطمأنته وإقناعه بأن الآلهة سترحمه.
كما كان يُنصح المرضى بالخروج إلى الأماكن المقدسة الهادئة أو قرب النيل لاستعادة الصفاء الذهني.
النظرة الاجتماعية للمريض النفسي*
لم يكن المريض النفسي في مصر القديمة منبوذًا أو محتقرًا كما في بعض الحضارات الأخرى، بل كان يُنظر إليه على أنه إنسان يحتاج إلى شفاء روحي.
وكان للكهنة والمعالجين مكانة عالية في المجتمع، إذ جمعوا بين العلم والدين، واعتبروا الصحة النفسية جزءًا من النظام الكوني الذي يجب أن يبقى متوازنًا الخاتمة*
لقد سبق المصريون القدماء عصرهم في فهم العلاقة بين النفس والجسد والروح
ورغم أن تفسيرهم للمرض النفسي كان يغلب عليه الطابع الديني والرمزي، فإن ممارساتهم العلاجية تُعد نواة مبكرة لما يُعرف اليوم بالعلاج النفسي المتكامل الذي يجمع بين الجانب الطبي والروحي والاجتماعي.
ومن خلال بردياتهم ومعتقداتهم، يتضح أنهم وضعوا الأساس لفكرة أن الإنسان كيان واحد لا ينفصل فيه الجسد عن العقل أو الروح وهي رؤية ما زال الطب النفسي الحديث يقترب منها حتى
اليوم.





