اخصائي نفسيالأسبوع العربي

المجتمع يراقب… والبيت يغرق في العنف

المجتمع يراقب… والبيت يغرق في العنف
بقلم / سهير محمود عيد
الطلاق العاطفي والعنف الأسري لا يحدثان في فراغ. المجتمع الذي يغض الطرف، ويطالب الزوجين بالبقاء “علشان العيال” أو “علشان الشكل”، يساهم بشكل مباشر في استمرار هذه الحلقة المميتة. الصمت المجتمعي، التجاهل، وعدم دعم الحوار أو العلاج النفسي، كلها عوامل تجعل البيت الميت عاطفيًا يتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع صامتة، لكنها مليئة بالغضب المكبوت والعدوانية المحتملة.
في كثير من الأسر، المجتمع يفرض معيار البقاء على الورق دون النظر إلى الحقيقة خلف الأبواب المغلقة. الجميع يرى البيت مستقرًا، الزوجان يظهران مبتسمين أمام الناس، بينما الداخل مليء بالصمت والبرود العاطفي. هذا التظاهر يدفع الزوجين إلى الاستمرار في علاقة ميتة، ويزيد من تراكم الغضب المكبوت، الذي قد يتحول يومًا إلى صراعات كلامية حادة، عنف نفسي، أو حتى عنف جسدي تجاه الأبناء أو الشريك.
الأطفال هم الأكثر تضررًا. بيت بلا حب، بلا تواصل، بلا احتواء، يجعلهم ضحايا للصمت المجتمعي والعائلي. يعتقدون أن العدوانية والصمت هما السلوك الطبيعي في العلاقات، ويتعلمون نقل غضبهم المكبوت تجاه الآخرين، سواء في المدرسة أو البيت. كثير من حالات العنف الأسري، الانتحار، أو السلوك العدواني عند المراهقين، لها جذور مباشرة في صمت المجتمع الذي يفرض على الأسرة الاستمرار رغم الفراغ العاطفي المدمر.
المجتمع الذي لا يتدخل، ولا يوفر الدعم النفسي، ولا يشجع الحوار المفتوح، يترك الأسرة أمام مأساة يومية. الصمت يصبح عنصرًا مضاعفًا للعنف: كل خلاف صغير، كل كلمة جارحة، كل شعور بالهوان في البيت يتحول إلى شرارة قد تشعل فوضى عاطفية أو عنفًا فعليًا. البيت الذي يغرق في الصمت اليوم، سيكون ساحة حرب غدًا إذا لم يكن هناك تدخل فعلي.
الحل يبدأ بالمجتمع نفسه: التوعية بأهمية الصحة النفسية، دعم الأزواج للحصول على علاج نفسي، تشجيع الحوار المفتوح، وعدم فرض البقاء على الأزواج “علشان الشكل”. هذه الخطوات البسيطة قد تمنع تراكم الغضب المكبوت، وتحمي الأبناء من أن يصبحوا ضحايا أو ناقلين للعنف لاحقًا. الحب والاهتمام يجب أن يكونا الأساس، لا مجرد الشكل الخارجي لعائلة تبدو طبيعية أمام الآخرين.
وأخيراً…..
الصمت المجتمعي هو شريك في الجريمة داخل البيت. كل بيت يصرّ على الاستمرار رغم الفراغ العاطفي يزرع غضبًا مكبوتًا قد يتحول إلى عنف فعلي أو انهيار نفسي كامل. الأطفال يشاهدون، يتأثرون، وينقلون هذه الحرب الصامتة إلى حياتهم. إذا لم يتحرك المجتمع اليوم بالوعي والدعم والحوار، فإن الحب الغائب سيترك مساحة كاملة للغضب المكبوت… وربما للدماء غدًا.
عن الكاتبة :
سهير محمود عيد…..صوت صادق بين صخب الكلمات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى