اخصائي نفسيالأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الفصل العاشر: الطيبة والوحش

الفصل العاشر: الطيبة والوحش
الفصل العاشر: حين يفقد الوحش توازنه
بقلم / سهير محمود عيد
لم يحدث شيء كبير.
وهذا ما أخافه.
الأيام مرّت هادئة أكثر مما ينبغي.
لا اعتراض.
لا دموع.
لا محاولات للشرح.
الوحش اعتاد المقاومة.
اعتاد الصراخ.
أما الهدوء… فلم يتقنه أبدًا.
لاحظ أن الأول لم يعد يتلعثم حين يوبّخه.
ولا يبرّر.
يسمع… ثم ينصرف.
والثاني صار ينفّذ الأوامر بدقة مبالغ فيها،
دون روح، دون نقاش،
وكأن الطاعة نفسها صارت سلاحًا.
في إحدى الليالي، قال الوحش فجأة:
— «إنتوا ليه ساكتين كده؟»
لم يرد أحد.
التفت إليّ بعصبية:
— «إنتِ قلتي لهم حاجة؟»
نظرت إليه بهدوء التضحية الأخيرة:
— «قلت لهم يسمعوا.»
لم يعجبه الرد.
ولا يعجبه الهدوء.
بعدها بأيام، عاد غاضبًا من عمله.
صوته أعلى من المعتاد.
أعصابه مشدودة.
بحث عن شرارة…
ولم يجد.
صرخ في الأول:
— «إنت فاكر نفسك إيه؟»
رفع الطفل رأسه، وقال بهدوء ثابت:
— «ولا حاجة.»
تجمّد الوحش.
الشتيمة تحتاج خصمًا.
والغضب يحتاج مقاومة.
— «ولا حاجة إزاي؟»
— «زي ما حضرتك دايمًا بتقول.»
كانت تلك الجملة
مرآة.
تراجع خطوة.
ضحك ضحكة قصيرة مهزوزة.
— «إنتوا بتهزروا؟»
لم يكن أحد يهزر.
في تلك الليلة، لم يستطع النوم.
سمعته يتحرك كثيرًا.
يتنفس بعنف.
ينهض ويعود للفراش.
الوحش حين يفقد السيطرة،
يفقد نفسه.
بدأ يبالغ.
يراقب.
يسأل عن تفاصيل لا معنى لها.
— «عملتوا إيه؟»
— «اتكلمتوا مع مين؟»
— «ضحكتوا ليه؟»
وكان الرد دائمًا واحدًا:
— «ولا حاجة.»
ولا حاجة…
الجملة التي حوّلته من سيّد البيت
إلى غريب داخله.
في صباح يوم خميس،
حدث أول شرخ علني.
اتصلت المدرسة.
— «الأول رافض يشارك في أي نشاط جماعي.»
صرخ الوحش في الهاتف.
اتهم.
هدد.
ثم أغلق الخط، والتفت إليّ:
— «شايفة عملك؟»
قلت بهدوء:
— «شايفة نتيجتك.»
صفع الحائط بيده.
لا ليؤلمني…
بل ليشعر أنه ما زال موجودًا.
في تلك اللحظة، رأيته بوضوح.
ليس قويًا.
بل خائفًا.
وفي داخلي، عرفت أن التضحية انتهت.
وأن لحظة الحقيقة تقترب.
الوحش لا يسقط حين يُواجه…
يسقط حين لا يعود مخيفًا.
والفصل القادم
سيكون عن اللحظة التي يُجبر فيها على الاختيار.
يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى