
العرب فى خبركان واسرائيل على نهج التتار
كتب ضاحى عمار
العالم العربي يمر بمرحلة حرجة لم يشهدها منذ عقود، حيث تتزايد الصراعات والحروب في مناطق مختلفة مثل السودان، غزة، لبنان، واليمن، بينما تقف إسرائيل على نهج التتار، مهددة بفتح جبهات جديدة وسط غياب واضح للتضامن العربي. التخاذل العربي والتفكك السياسي ساهم في تعقيد الأوضاع وزيادة التوترات في المنطقة، مما جعل العرب في موقف لا يحسدون عليه.
المعضلة الكبرى التي تواجه العالم العربي اليوم لا تقتصر على الحروب والصراعات الظاهرة، بل تمتد إلى الصراعات الخفية بين الدول العربية نفسها، حيث يسعى كل منها لتحقيق مصالح ضيقة على حساب الآخر. هذه النزاعات الداخلية تعزز التوترات الإقليمية، خاصة في مناطق مثل حوض النيل، البحر الأحمر، البحر الأبيض المتوسط، والعراق. وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن بعض الدول العربية تقبل بتصفية المقاومة الفلسطينية لصالح إعادة ترسيم المنطقة بما يخدم مشاريع إسرائيلية وهمية.
هذا التهاون العربي فتح الباب على مصراعيه لدمار دول مثل اليمن وليبيا، وترك السودان يتهاوى في نزاعات لا تنتهي. ولم تكن غزة ولبنان استثناءً، حيث تعرضتا للتهميش من قبل الدول العربية لفترات طويلة. لولا العناية الإلهية ووقوف مصر برجالها المخلصين، لكانت هي الأخرى قد سقطت في هاوية الفوضى مثل جيرانها.
التفتت العربي أصبح واقعًا مريرًا. فالعالم العربي اليوم أضعف من أي وقت مضى، متخلف عن ركب التطور العالمي، ويعاني من حالة انقسام حادة أدت إلى تهجير سكانه وتشريدهم، بينما يعاني الملايين من ويلات الحروب والاقتتال الداخلي. وفي الوقت الذي تتشكل فيه قوى عالمية جديدة، يبدو أن العرب سيكونون خارج هذه المعادلة، بسبب ضعفهم على الأصعدة الاقتصادية والعسكرية، وبسبب الفرقة والتشرذم التي تسود بينهم.
الانقسامات والصراعات العربية الداخلية لم تكن وليدة اللحظة، ولكنها تعمقت مع مرور الزمن. بين النزاعات القومية والدينية، لم يعد هناك مكان للهوية العربية المشتركة التي كانت تجمع الشعوب يومًا ما. الحلول الضيقة والمصالح الفردية طغت على العلاقات العربية، مما أدى إلى تدمير العديد من الدول واستمرار خنق أخرى اقتصاديًا، ليس بأيدي الأعداء فقط، بل أيضًا بأيدي العرب أنفسهم، بالتنسيق مع القوى الاستعمارية الكبرى.
هذا الوضع خطير للغاية وله تداعيات كارثية على المستقبل العربي. فالخطة الغربية لتقسيم الدول العربية ما زالت قائمة، ولن تتخلى عنها القوى الكبرى. أطماع الغرب في ثروات العرب ومحاولاتهم المستمرة لإبقاء العرب في حالة من التخلف والاضطراب لم تتوقف. بل إن هذه القوى تستغل كل فرصة لتعميق الانقسامات بين الدول العربية، وإضعافها اقتصاديًا وسياسيًا.
ما يدعو للأسف هو أن العرب لم يتعلموا من دروس الماضي، وما زالوا يفتقرون إلى وحدة الصف والتعاون الحقيقي لحل قضاياهم المشتركة. بدلاً من مواجهة التحديات العالمية ككتلة موحدة، تركوا أنفسهم فريسة سهلة للمخططات الاستعمارية، التي تهدف إلى إبقائهم في حالة من الفوضى الدائمة.
إن العالم العربي الآن يقف على مفترق طرق خطير، وإن لم يدرك قادته وشعوبه خطورة المرحلة المقبلة، فإن الانهيار سيكون محتمًا. التنسيق بين الدول العربية في كافة الملفات المشتركة أصبح ضرورة ملحة، وحل الخلافات الداخلية يجب أن يكون على رأس الأولويات. الكراهية وعدم قبول الآخر داخل الدول العربية هي جزء من المشكلة، ويجب أن يتم تجاوزها لتحقيق الوحدة.
المستقبل لا يبشر بالخير، فالعالم يتحضر لصراعات جديدة بين القوى الكبرى، والعرب لن يكون لهم مكان في هذه الصراعات إلا إذا استعادوا وحدتهم وقوتهم. قوة الغرب والشرق تتزايد، والعرب يظلون عالقين في دوامة من التبعية والاستعمار الجديد، حيث يفتقرون إلى التكنولوجيا والصناعة التي تضمن لهم الدفاع عن أنفسهم.
لقد حان الوقت لأن يستفيق العرب من غفوتهم، وأن يتوحدوا تحت مظلة المصلحة المشتركة. القومية العربية والدينية التي كانت يومًا ما تجمع الشعوب يجب أن تعود، ويجب أن يتعزز التعاون في مواجهة التحديات القادمة. الانقسام لن يخدم سوى أعداء العرب، الذين ينتظرون الفرصة المناسبة لتفتيت ما تبقى من الدول العربية.
المخاطر التي تلوح في الأفق تستدعي وقفة جادة من الدول العربية. المستقبل يحمل في طياته العديد من التحديات، والعرب ليسوا في وضع يسمح لهم بمواجهتها بمفردهم. بدون وحدة الصف والتعاون المشترك، سيكون مصير العرب التهميش والتبعية، وسيظلوا عالقين في دوامة من الصراعات الداخلية التي لا نهاية لها



