أخبار الأسبوعالأسبوع العربيثقافةمجلة الأديب العربيمقالات

التجاهل فن له أصوله

التجاهل بالتجاهل لا ود لمن لا يهتم

التجاهل بالتجاهل لا ود لمن لا يهتم 

التجاهل… فنٌّ يُدرَّس في مدارس الصمت

حسن غريب أحمد  …..ناقد – روائي – شاعر 

ليس التجاهل هروبًا، ولا انكسارًا، ولا طيشًا يُرتكب على عجل؛
إنه فنٌّ رفيع، تشتهيه الأرواحُ التي أتعبها الضجيج، وتعلّمَت أن تحفظ مقامها حين يضيع الآخرون لغة الاحترام.

1. حين يتكلمُ الصمتُ بلسان الملوك

التجاهل ليس فراغًا، بل امتلاء.
ليس انطفاءً، بل نور يصعد إلى الداخل.
فهو الصمتُ الذي يرفعك فوق ما لا يليق،
والسكينةُ التي تقول للعالم:
“إن قلبي ليس أرضًا مفتوحة للغرباء.”

هو وقوفك على ربوةٍ عالية،
تلوّح بيدٍ من ضياء، لا من قسوة،
وتقول:
“أسامحك… لكني لا أعود.”

2. التجاهل… أن تمنح حضورك لمن يستحقه

القلوب كالأبواب؛
بعضها يُفتح بمجرّد ابتسامة،
وبعضها لا يُفتح إلا بمفتاح من ذهب،
وبعضها لا يفتح أبدًا لأنها لم تُبنَ لاستقبال العابرين.

والروح، إن لم تُحسن توزيع حضورها،
أغرقت نفسها في موانئ لا سفن فيها،
وفي قلوبٍ لا تعرف من الاهتمام إلا اسمه.

3. فنٌّ من نورٍ ورفعة

التجاهل الذي نقصد ليس تجاهلًا يُراد به الإيذاء،
بل تجاهلًا يُراد به النجاة.
هو أن تعرف:
متى تصغي، ومتى تصمت،
متى تمنح، ومتى ترتفع عن المنح.

هو أن تترك الباب مواربًا،
لا مغلقًا ولا مفتوحًا،
وتدع الريح تمرّ دون أن تُسقط من روحك ورقةً واحدة.

4. حين يصبح الغياب رسالة

في أحيان كثيرة،
لا يفهمون قيمتنا إلا حين نبهتعد.
فغيابُ الكريم… أبلغُ من خطاب اللائم.
والسكوتُ حين يفقد الكلام جدواه…
أشدّ وقعًا من ألف عتاب.

صمتُك هو الشعر،
وغيابك هو القصيدة.
وفي كليهما يقرأ الآخرون ما لم تكتبه الكلمات.

5. التجاهل الذي يحرس الكرامة

الكرامة ليست صخرةً تُلقى،
بل جناحٌ يحملك بعيدًا حين يُثقلون الهواء من حولك.
وما التجاهل إلا حارس اللياقة،
وسدنة النقاء،
وضوءٌ ينسحب حين تتكاثر الظلال.

هو أن تقول لنفسك:
“لا أريد حربًا، ولا أريد قطيعة…
أريد فقط سلامًا يليق بقلبي.”

6. قبل النهاية : التجاهل تاجُ مَن أحبّ نفسه

التجاهل فنّ،
لكنّه لا يُتقنه إلا من ذاق مرارة الاهتمام لمن لا يستحق،
وتعلّم أخيرًا أن قلبه أثمن من أن يُهدى لمن لا يقدّره.

هو ليس انسحابًا من الناس،
بل عودة إلى الذات.
وليس انطفاءً،
بل ولادةٌ ثانية للنور.

فإذا تجاهلت،
فافعلها بنبل،
وبصمتٍ جميل،
وبخطوة تشبه رفرفة جناح…
لا وقع قدم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى