حين يذوب الكيان في الكيان: فلسفة الحب العابر للجسد
بقلم باهر رجب
الاكتفاء العاطفي في عالم يضج بالسطحية والروابط العابرة، تأتي كلمات مثل: “ليتكى تعرفين كم أنا مخلص لكى”، لتوقظ فينا دهشة الانتماء الحقيقي. هذه الكلمات، التي تنضح بصدق جارح، ليست مجرد غزل عاطفي، بل هي بيان دستوري لعلاقة تتجاوز حدود الجسد لتبلغ تخوم الروح والجوهر. إنها صرخة إنسان قرر أن يضع “الأنا” جانبا ليعيش بالكامل في “الآخر”.

الاكتفاء العاطفي..أبعاد الإخلاص الأربعة
حين يتحدث صاحب هذه الكلمات عن إخلاصه، فإنه لا يحصره في الوفاء الجسدي التقليدي الذي قد يلتزم به الكثيرون بدافع العادة أو الخوف. بل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، مقسما إخلاصه إلى أربعة أركان متينة:
الإخلاص العقلي: حيث لا تسكن في مخيلته صورة غيرها، ولا ينشغل تفكيره إلا بما يخصها. إنها حالة من “الاستعمار الفكري” الجميل، حيث تصبح هي المبتدأ والخبر في كل حواراته الداخلية.
الإخلاص الأخلاقي: الالتزام هنا ينبع من مبدأ وقيمة، وليس من مجرد عاطفة متقلبة. إنه يرى في خيانتها خيانة لنفسه ولقيمه الشخصية، مما يجعل وفاءه دينا في عنقه.
الإخلاص الروحي: وهو أعمق الأنماط، حيث تتحد الأرواح في مسار واحد. في هذا المستوى، يصبح الوجود بعيدا عنها شعورا بالانفصال عن الذات.
الإخلاص الجسدي: وهو النتيجة الطبيعية لكل ما سبق، حيث لا يرى في غيرها فتنة ولا يجد في سواها مأوى.
اعتزال الأذى.. أسمى درجات الوعي
“لا شيء يغويني هنا”: حصانة الاكتفاء العاطفي
تتجلى قمة القوة في هذه الرسالة عند قوله: “لا شيء يغويني هنا، لا شيء على الإطلاق”. نحن هنا أمام حالة من “الاكتفاء الكلي”. العالم بكل إغراءاته، صخبه، وأضوائه، يبدو باهتا ورماديا في عينيه مقارنة بالضياء الذي تمنحه إياه تلك المرأة.
إن الإغواء يتطلب وجود “فراغ” أو “نقص” في داخل الإنسان ليبحث عما يكمله في الخارج. لكن حين يقول “أنا منغمس تماما فيك”، فهو يعلن رسميا ردم كل الفجوات. لقد وجد ضالته، فلم يعد هناك متسع لغريب، ولا رغبة في اكتشاف وجه جديد. لأن وجهها هو العالم، وصوتها هو المدى.
فلسفة الانغماس: حين يذوب الكيان في الكيان
للمرة الأولى في حياته، يختبر هذا الكاتب حالة “الانغماس”. الكلمة في حد ذاتها توحي بالعمق، كمن يلقي بنفسه في محيط لا قرار له. هذا الانغماس يعني ذوبان الحدود الفاصلة بين الشخصيتين. فلم يعد هناك “أنا” وهو، بل أصبح هناك كيان واحد يتنفس بأسلوبها ويفكر بعينيها.
هذا النوع من الحب ليس “امتلاكا”، بل هو “استسلام” طوعي. هو اعتراف بشجاعة نادرة بأن المرء قد وجد أخيرا الكائن الذي يستحق أن يضيع فيه، ليجد نفسه من جديد. إنها المرة الأولى التي يشعر فيها بأنه ليس بحاجة للبحث عن هويته، لأن هويته أصبحت “هي”.
الاكتفاء العاطفي: الوفاء كفعل تمرد
إن هذا الإخلاص الذي وصفه ليس ضعفا، بل هو أقصى درجات السيادة على الذات. إنه تمرد على طبيعة العصر التي تدعو للتعددية والسطحية، واختيار واعى للعمق والتركيز. إنها دعوة لنفهم أن الحب الحقيقي ليس مجرد شعور، بل هو حالة استيطان كاملة، حيث يصبح الآخر هو الوطن، و المنفى، والوجود.
“ليتكى تعرفين..” هي جملة تبدأ بالرجاء، لكنها تنتهي بيقين من ذاق طعم التوحد مع من يحب، فأدرك أن العالم خلف ظهره ليس إلا سرابا.





