
سقوط القيصر حين تُباع الهيبة علنًا
بقلم: خالد مراد
«أيها الرفيق بوتين»!
هل تعلمون متى انتهى القيصر الروسي فعلًا؟
لم ينتهِ يوم حاصروه، بل يوم تخلّى.
انتهى يوم ترك عراق صدام حسين يواجه الغزو الأمريكي وحيدًا؛ فسقط الرجل، وسقط معه ميزان الردع، وتحولت بغداد من عاصمة قرار إلى خريطة قواعد.
وانتهى أكثر يوم باع ليبيا القذافي في سوق الصفقات الرخيصة، وتركها للغربان؛ فسقط الزعيم، وسقطت الدولة، وتحولت ليبيا إلى فوضى دولية تُدار عن بُعد بأظافر العولمة النفطية.
وانتهى حين حوّل سوريا من معركة سيادة إلى ملف تفاوض، ومن حليف إلى ورقة؛ لا يوم دخلها، بل يوم قرر أن يساوم عليها، ويسلّم مفاتيحها في تسوية باهتة، ثم جلس على قارعة أوكرانيا ينتظر الأرباح.
وانتهى أكثر حين وقف متفرجًا على طهران وهي تُحاصر وتُستنزف، كأن الأمر لا يعنيه، وكأن سقوطها لا يخلخل ميزان العالم ولا يقترب من عقر داره.
لكن الخديعة الكبرى لم تكن هنا فقط.
الخديعة أنهم شغلوه بحربٍ مع دولةٍ “اوكرانيا” مسالمةٍ أليفة، خرجت من رحم الأم الكبرى: الاتحاد السوفيتي.
جرّوه إلى معركة استنزاف مع شقيق الدم والتاريخ، لا ليهزموه دفعة واحدة، بل ليأكلوا قوته على مهل، وينزعوا عنه آخر أوراق التوت، ويتركوه عاريًا أمام الأطلسي: بلا حلفاء، بلا هيبة، وبلا صورة قيصر.
واليوم، بعد أن علموا مدى الضعف، وبعد أن أيقنوا أن القوة خارت وأن الردع تآكل، تجرأوا على سفنه النفطية في البحار المفتوحة؛ يسطون عليها ويستولون عليها علنًا، لا طلبًا للنفط، ولا خوفًا من نقص الطاقة، بل إمعانًا في الإهانة.
فالنفط مجرد ذريعة،
أما الرسالة فكانت أوضح من الشمس:
لقد سقطت الهيبة.
ومن تسقط هيبته يُختبر في رزقه، ويُهان في تجارته، وتُمد الأيدي إلى ممتلكاته بلا خوف ولا حساب.
هذه ليست حوادث بحرية، بل اختبارات كرامة.
وليست وقائع عابرة، بل إعلانًا صريحًا بأن القيصر الذي كان يُحسب له ألف حساب، بات يُقاس بمدى صمته لا بمدى نيرانه.
روسيا انتهت قيمةً ومقامًا يوم خذلت حلفاءها واحدًا تلو الآخر.
فالقيصر الذي يترك رجاله يسقطون، لا يبقى قيصرًا، ولو امتلك ترسانة الأرض كلها.
وبوتين اليوم لا يواجه أزمة حرب، بل أزمة معنى: صورةٌ تآكلت، وردعٌ تسرّب، وثقةٌ تبخّرت.
فالعالم لا يحترم القوة المجردة، بل يحترم الوفاء لمن يقفون في الصف الأول.
ومن يخذل حلفاءه في لحظة النار، لن يُصدَّق حين يتحدث عن نظام عالمي جديد.





