
رماد الوعود الباردة
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
لم يكن سعينا معهم طلبًا للمعجزات، بل التماسًا لصدقٍ يوازي اندفاعنا إليهم بقلوبٍ كشفت كل ما فيها، وكأننا نُلقي مخاوفنا وراء ظهورنا. منحناهم أنفسنا كوطنٍ آمن، ولم نطلب سوى ألّا يُخيّبوا رجاءنا.
أغرقناهم بالنور وكل احتمالات الدفء والثبات، لكنهم اختاروا أن يُقدّموا لنا الغياب على أقساطٍ مُؤجَّلة. لقد تعاهدنا على أن الثقة سقفٌ لن يسقط، فإذا بهم يسقطون هم قبل أن تُهلّ قطرة مطر واحدة. وحين أمطرت السماء، لم تكن قطراتها ماءً، بل كانت خيباتنا التي ظننا أن الزمن قد طواها، وذكريات انفجرت فجأة بثقل الغياب الذي ابتلَّت به الأرواح بصمتٍ أليم.
تركناهم نرتجف تحت رماد الكلمات، نتشبث بوعودهم الباردة، ونقرأ الرسائل القديمة كمن يبحث عن قشة نجاة. لم يكن الوجع في الفراق نفسه، بل في تلك اللحظة التي تهمس فيها أعينهم بالبقاء، ثم يغادرون بلا رجعة، تاركين وراءهم ظلًّا يتسكّع في صندوق رسائلنا. ذلك الظلّ هو كل ما تبقى من دفئهم، فصرنا نقرأه بدلًا من كلماتهم.
بحثنا عنهم بين السطور، في آخر ظهور، في علامة القراءة، وفي النقطة التي بترت الجملة. أدركنا متأخرين أن الحب وحده لا يكفي؛ لم نحسب حساب الصمت الذي يتضخم في المسافات، ولا البرود الذي ينسلّ من بين الحروف المبتورة. والحقيقة القاسية هي: من يختار الرحيل بصمت لا يعود أبدًا.
الذين يحبون بصدق لا يتوارون خلف أعذارٍ واهية؛ إنهم يفعلون كل شيء لئلّا تبقى قلوبنا معلّقة في فراغ العذر. وأحيانًا، تكون أشدّ الجمل إيلامًا هي تلك التي لم تُكتب، وأقسى الخيبات ما بدأ بوعدٍ مُلتهب وانتهى برسالة لم يُرَد عليها. لم نحزن على رحيلهم، بل لأننا آمنا بصدقٍ أنهم سيبقون، ثم تبخروا فجأة كأن شيئًا لم يكن.





