اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

الإرهاق النفسي واستعادة طاقتك؟

الإرهاق النفسي واستعادة طاقتك؟
بقلم د/ رشا النواوي
هناك نوع من التعب لا يراه أحد…
لا يظهر على الوجه بوضوح، ولا يحتاج إلى جبيرة أو دواء، لكنه يجعل أبسط الأشياء تبدو ثقيلة، ويجعل الإنسان يستيقظ من نومه وكأنه لم ينم.
إنه الإرهاق النفسي…
حين يصبح العقل مزدحمًا، والقلب مثقلًا، والروح في حاجة إلى هدنة.
قد تبتسم، تتحدث، تعمل، تهتم بمن حولك، وتبدو للجميع بخير… بينما بداخلك شيء ما يهمس:
«أنا تعبت من محاولة أن أكون بخير طوال الوقت.»
وهنا تبدأ المشكلة…فنحن غالبًا لا نعطي أنفسنا حق التعب.
نطالب أنفسنا بالصبر عندما نكون قد استنفدنا صبرنا، وبالقوة عندما نكون في أمسّ الحاجة إلى الاحتواء، وبالاستمرار عندما تكون أرواحنا بحاجة إلى التوقف.
لكن التعافي يبدأ من لحظة صادقة جدًا…حين تتوقف عن مقاومة تعبك، وتبدأ في فهمه.
ربما أنت لا تحتاج إلى المزيد… بل تحتاج إلى أقل
أحيانًا نظن أن استعادة الطاقة تعني أن نضيف إلى حياتنا أشياء جديدة:
نشاطًا جديدًا، هدفًا جديدًا، خطة جديدة…بينما تكون حاجتنا الحقيقية هي أن نحذف.
نحذف ما يستنزفنا، ونبتعد قليلًا عما يرهقنا، ونضع حدودًا أمام العلاقات التي تأخذ أكثر مما تعطي، ونكف عن محاولة إرضاء الجميع. اسأل نفسك بصدق:
ما الذي يستنزفني كل يوم؟
ومن الذي يجعلني أعود إلى نفسي أقل مما كنت؟
وما الشيء الذي أفعله فقط لأنني أخشى أن أقول «لا»؟
أحيانًا يكون الطريق إلى الراحة أقصر مما نتخيل… لكنه يبدأ بكلمة واحدة: لا.
لا تجعل الراحة دليلًا على ضعفك
كم مرة قلت لنفسك: سأرتاح عندما أنتهي من كل شيء؟
لكن كل شيء لا ينتهي.
مسؤوليات جديدة تأتي، وطلبات جديدة تظهر، وأيام أخرى تحتاج منك المزيد.
لذلك لا تنتظر أن تصل إلى مرحلة الانهيار حتى تمنح نفسك حق الراحة.
الراحة ليست رفاهية… إنها صيانة للإنسان من الداخل.
خذ وقتًا لنفسك دون شعور بالذنب. نم عندما يحتاج جسدك إلى النوم، ابتعد قليلًا عندما تضيق بك المساحات، امشِ، اقرأ، تأمل، تحدث مع شخص آمن، أو اجلس في هدوء دون أن تفعل شيئًا.
ليس كل وقت يجب أن يكون منتجًا. بعض الأوقات خُلقت فقط لكي نستعيد أنفسنا.
وهناك مشاعر تحتاج أن تُسمع
ليس كل ما يؤلمنا يحتاج إلى حل سريع.
بعض الأحزان تحتاج إلى أن نعترف بوجودها.
بعض الخيبات تحتاج إلى أن نحزن عليها.
وبعض الغضب يحتاج إلى أن نفهم ما وراءه.
لقد تعودنا أن نقول: أنا بخير.
حتى في اللحظات التي نكون فيها أبعد ما نكون عن ذلك.
لكن المشاعر التي ندفنها لا تختفي بالضرورة… قد تظل في الداخل تبحث عن طريق آخر لتظهر.
لذلك لا تخجل من حزنك.
البكاء ليس دائمًا علامة انكسار، وأخذ استراحة ليس هروبًا، وطلب المساعدة ليس ضعفًا.
أحيانًا يكون الاعتراف بأنك تحتاج إلى مساعدة هو أكثر أشكال القوة نضجًا.
لا تحاول أن تعود كما كنت
وهذه واحدة من أهم رسائل التعافي.
لا تجعل هدفك أن تعود إلى الشخص الذي كان يتحمل كل شيء، ويصمت عن كل شيء، ويوافق على كل شيء، ويؤجل نفسه دائمًا من أجل الآخرين.
ربما ما تحتاجه ليس العودة إلى نسختك القديمة…بل أن تولد منك نسخة أكثر وعيًا.
نسخة تعرف حدودها. تختار معاركها. تدرك أن قيمتها لا تتوقف على مقدار ما تقدمه للآخرين.
وتفهم أخيرًا أن الاهتمام بالنفس ليس أنانية، وأن حماية سلامك النفسي ليست قسوة.
ابدأ بخطوة صغيرة
لا تطلب من نفسك أن تصلح حياتك كلها في يوم واحد.
ابدأ بسؤال واحد كل صباح:
«ماذا أحتاج اليوم؟» وليس: ماذا يريد الجميع مني اليوم؟»
ربما تحتاج إلى الراحة .ربما تحتاج إلى كلمة طيبة.
ربما تحتاج إلى الابتعاد عن شخص يستنزفك. ربما تحتاج إلى إنهاء أمر ظللت تؤجله.
وربما تحتاج فقط إلى أن تتوقف عن مطالبة نفسك بأن تكون قوية طوال الوقت.
وأخيرًا…
تذكر أن الإنسان لا يفقد طاقته لأنه ضعيف، وإنما قد يفقدها لأنه ظل يعطي طويلًا دون أن يتوقف ليسأل نفسه: وماذا عني؟
فلا تنتظر أن تنطفئ تمامًا حتى تبحث عن النور.
انتبه إلى نفسك وهي تتعب…إلى صمتك عندما يطول…إلى الأشياء التي لم تعد تمنحك الفرح…
إلى جسدك عندما يطلب الراحة…وإلى قلبك عندما يقول لك في هدوء:
«كفى… حان دوري أنا أيضًا.» التعافي ليس رحلة للعودة إلى ما كنت عليه.
إنه رحلة للعودة إلى نفسك… إلى الإنسان الذي ربما أهملته طويلًا، بينما كنت مشغولًا برعاية الجميع.
وفي النهاية… لا تحتاج أن تكون بخير طوال الوقت.
تحتاج فقط أن تكون صادقًا مع نفسك بما يكفي لتعرف متى تتعب… ومتى تتوقف… ومتى تطلب يدًا تساعدك على الوقوف من جديد.
وهذه ليست نهاية قوتك… بل بداية علاقتك الحقيقية بنفسك

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى