
سيكولوجية الشعب المصري وقت الحرب
بقلم مروة فؤاد
سيكولوجية الشعب المصري في أوقات الحرب: بين الصمود التاريخي، وآليات الدفاع الجمعي
تُعد مصر، بجغرافيتها التي تتوسط القارات وتتحكم في شرايين الملاحة والتجارة العالمية، أرضاً شهدت الحروب والغزوات منذ فجر التاريخ. هذا التكرار التاريخي للصراعات لم يكن مجرد أحداث عابرة في سجلات المؤرخين، بل كان “مِطرقة” شكّلت “اللاوعي الجمعي” والسيكولوجية المصرية.
إن دراسة سيكولوجية الشعب المصري في أوقات الحرب لا تقتصر على تحليل ردود الفعل العسكرية، بل تتطلب الغوص في أعماق النفس المصرية؛ تلك النفس التي مزجت بين “التوكل الديني”، و”السخرية كفكاهة”، و”التماسك الاجتماعي”، و”المرونة القهرية” في مواجهة الأزمات.
—
أولاً: الجذور التاريخية للسيكولوجية المصرية في الحرب
لفهم نفسية المصري في الحرب، يجب فهم علاقته بالأرض والتاريخ:
1. **سيكولوجية النهر (الصبر والتجدد):** ارتبطت النفسية المصرية بنهر النيل؛ بدوراته المنتظمة بين الفيضان والجفاف. هذا علّم المصري أن “الحياة دورات”، وأن بعد الشدة فرج، مما منحه صبراً استراتيجياً وقدرة على تحمل المشاق لفترات طويلة.
2. **مفهوم “الغزاة يرحلون والأرض تبقى”:** عبر آلاف السنين، مر على مصر الهكسوس، الآشوريون، الفرس، الإغريق، الرومان، العرب، العثمانيون، والفرنسيون والإنجليز. استقر في اللاوعي الجمعي المصري أن المحتل “ضيف ثقيل سيرحل”، بينما المصري هو “صاحب الأرض الذي سيبقى”. هذا خلق سيكولوجية “المقاومة السلبية” أو “التكيف مع البقاء”؛ حيث يتعايش المصري مع الاحتلال أو الحرب، لكنه لا ينتمي إليهما أبداً.
ثانياً: آليات الدفاع والتكيف النفسي أثناء الحروب
عندما تندلع الحرب، تظهر على السطح عدة سمات سيكولوجية فريدة تميز الشعب المصري:
1. السخرية والفكاهة كـ “درع نفسي”
لعل أبرز ما يميز السيكلوجية المصرية في الحرب هو “النكتة”. في الخنادق، وفي طوابير الخبز، وأثناء الغارات الجوية، كان المصريون يصنعون النكتة.
* **التحليل النفسي:** السخرية هنا ليست ترفاً، بل هي “آلية دفاع نفسية” تهدف إلى تقليل حدة القلق . من خلال السخرية من العدو أو من قسوة الظروف، يستعيد المصري شعوره بالسيطرة على الموقف، ويحول “الخوف المطلق” إلى “موقف يمكن السخرية منه”، مما يحفظ التوازن العقلي من الانهيار.
2. التدين والتوكل (القدرية الإيجابية)
يلجأ المصري في الحرب بشكل مكثف إلى الدين، ليس كعزاء فحسب، بل كإطار مرجعي لفهم الموت والحياة.
* عبارات مثل “إحنا بتوع ربنا”، و”الأجل مكتوب”، و”اللي مكتوب هيجيلك”، تعمل كمخدر نفسي قوي يزيل رهبة الموت. هذه “القدرية” لا تعني الاستسلام، بل تعني “تفويض النتيجة لله بعد بذل أقصى جهد”، مما يحرر الجندي والمدني من شلل القلق المستمر بشأن المستقبل.
3. المرونة النفسية والتكيف القهري
المصري يمتلك قدرة عجيبة على “التطبيع مع الشذوذ”. في الحروب، تنقطع الكهرباء، تُفرض حصص التموين، تُغلق المدارس، وتُهدم البيوت. السيكلوجية المصرية تمتلك مرونة عالية تسمح لها بإعادة ترتيب أولوياتها للبقاء على قيد الحياة في غضون ساعات، والانتقال من حالة الصدمة إلى حالة “التدبير” وإدارة الأزمة.
4. التمركز حول “الأسرة والجار” (التماسك الأفقي)
في الحروب، تضعف ثقة المصري في “الدولة” أو “المؤسسات” أحياناً بسبب البيروقراطية أو الفساد، لكنه يعوض ذلك بالتماسك “الأفقي” (مع أقرانه). مفهوم “الجار قبل الدار”، و”الفزعة”، وتبادل المؤن، ورعاية أبناء الجيران الذين استشهد آباؤهم، يخلق شبكة أمان نفسي واجتماعي تمنع الفرد من الشعور بالعزلة واليأس.
ثالثاً: محطات سيكولوجية في الحروب المصرية الحديثة
مرّت الذاكرة الجمعية المصرية بثلاث محطات حربية حديثة شكّلت وعيها الجمعي:
1. حرب 1956 (العدوان الثلاثي): سيكولوجية “المواطنة والكرامة”
كانت حرب 1956 هي الميلاد النفسي الحقيقي للمصري كـ “مواطن يدافع عن وطن” وليس كـ “رعية”.
* **المظهر السيكولوجي:** شعور عارم بالفخر الوطني، تجلى في إحراق المصريين لسفنهم وممتلكاتهم في قناة السويس لمنع استخدامها. كانت سيكولوجية “التضحية الطوعية” من أجل كرامة الأمة، وولدت أغنية “والله زمان يا سلاحي” كنشيد سيكولوجي يعيد للمصري اعتباره.
2. حرب 1967 (النكسة): سيكولوجية “الصدمة والحزن الجمعي”
كانت هزيمة 1967 صدمة نفسية عنيفة .
* **المظهر السيكولوجي:** عانت مصر من “اكتئاب جمعي” وشعور بالخيانة والانهيار. الشوارع كانت شبه خالية، والبكاء كان ظاهرة جماعية. لكن في المقابل، ولدت هذه الصدمة “عقدة نفسية” تحولت لاحقاً إلى “إصرار انتقامي” رفض المصري الاستسلام للصدمة، وبدأت حالة نفسية من “الاستعداد للتضفير” (التعويض) استمرت ست سنوات.
3. حرب 1973 (العبور): سيكولوجية “التطهير والانتشاء”
كانت حرب أكتوبر هي “الجلسة العلاجية النفسية” للأمة.
* **المظهر السيكولوجي:** لحظة العبور، شهدت مصر “نشوة جماعية” تم شفاء جرح النرجسية الوطنية. الشعور بالإنجاز والقدرة على هزيمة “الجيش الذي لا يُقهر” أعاد للمصري ثقته في ذاته التكامل بين الجبهة الداخلية والخارجية وصل إلى ذروته، وشعرت المرأة المصرية والأم أنها “شريك مباشر في النصر” وليس مجرد متفرج.
—
رابعاً: سيكولوجية “الجبهة الداخلية” ودور المرأة
لا يمكن الحديث عن سيكولوجية الحرب في مصر دون التطرق إلى دور المرأة والجبهة الداخلية، والتي كانت تمثل “العمود الفقري النفسي” للمعركة:
* **الأم والزوجة المصرية:** تحملت عبئاً نفسياً ومادياً هائلاً. كانت تدير المنزل بشح الموارد، وتخفي دموعها وقلقها على الأبناء والأزواج في الجبهة، لترسل لهم رسائل مليئة بالتشجيع والفخر.
* **سيكولوجية “التضحية الصامتة”:** لم تكن المرأة المصرية تنتظر التكريم، بل كانت تعتبر تضحية ابنها “فداء للوطن” و”شهادة” ترفع الرأس. هذا المفهوم الديني والوطني كان بمثابة “الصمام الأمني” الذي منع المجتمع من الانهيار الأخلاقي والنفسي أثناء الحروب.
—
خامساً: ما بعد الحرب.. التعامل مع الصدمات (PTSD)
قبل أن يُصطلح على “اضطراب ما بعد الصدمة” (PTSD) في علم النفس الحديث، كان المجتمع المصري يعالج جراحه النفسية بطرقه الخاصة:
1. **الدمج الاجتماعي:** كان (المحارب القديم) يُدمج فوراً في نسيج العائلة والحارة. لم يُترك ليعاني من العزلة.
2. **السرد والحكاية:** المقاهي، و”الحكواتي”، وجلسات السمر، كانت بمثابة “جلسات علاج جماعي” يحكي الجندي ما حدث في الخندق، فيتم استيعاب الصدمة وتحويلها من “كابوس داخلي” إلى “حكاية بطولية” يشاركه فيها المجتمع.
3. **الطقوس الجماعية:** الموالد، والأفراح، وحتى العزاء، كانت تُقام بشكل جماعي. الموت في الحرب كان يُحتفى به كـ “عرس شهيد”، مما يخفف من وطأة الفقد على الأسر ويحول الحزن الشخصي إلى فخر جماعي.
—
خاتمة: المصري.. ابن النهر وسيد البقاء
إن سيكولوجية الشعب المصري في الحرب هي سيكولوجية “الماء”؛ تتشكل حسب الإناء، تخترق الصخور بالصبر، ولا تنكسر بل تتبخر لتعود مطراً.
المصري في الحرب ليس بطلاً أسطورياً بمعزل عن الخوف، بل هو إنسان يخاف، يحزن، ويفزع، لكنه يمتلك “ترسانة نفسية” فريدة؛ تجمع بين روح الدعابة التي تسخر من الموت، والتدين الذي يهون المصيبة، والتراب الذي يربطه بالأرض.
في كل حرب، يظن المحللون أن المجتمع المصري على وشك الانهيار بسبب الضغوط الاقتصادية والنفسية، لكنه يفاجئهم دائماً بقدرته على “التنفس” تحت الماء، والخروج من نفق الحرب ليس فقط (على قيد الحياة)، بل وأكثر تماسكاً، وأكثر وعياً بهويته، وأكثر إصراراً على أن “أم الدنيا” لن تسقط أبداً.





