
محمد حسن حمادة يكتب:
عندما تحولت عربة المترو لسرادق عزاء.
وأنا راجع من شغلي النهاردة، كالعادة ركبت المترو من العباسية للعتبة وبعد كده غيرت من العتبة لشبرا، جلست، ابتديت اطلع الموبايل وأتصفح رسائل الواتس، ببص لقيت السيدة إللي على يميني بتقولي: شوف الراجل إللي جنبك بيعيط ليه؟!. التفت على شمالي وجدت رجلا في منتصف الخمسينيات يبكي بحرقة فربت على كتفه مالك ياأستاذ في إيه؟.
وحد الله. فقال لي والدموع تغرق وجهه:
بنتي ماتت!.
لا حول ولا قوة إلا بالله، البقاء والدوام لله.
ماتت في حادثة أم كانت مريضة!؟.
كانت مريضة.
متغلاش على إللي خلقها، كلنا أموات ولاد أموات، صلي على النبي، ما دايم إلا وجه الله، ربنا يصبر قلبك. وجدت السيدة التي بجانبي قد أجهشت بالبكاء، ثم أخرجت من حقيبة يدها منديلا للرجل المكلوم في ابنته، فناولته إياه.
سألته انت منين ياأستاذ؟
من شبرا.
مش محتاج أي مساعدة؟.
كتر خيرك أخويا مستنيني بالعربية خارج المحطة.
وإذا بكل ركاب عربة المترو يقدمون له واجب العزاء، لتتحول عربة المترو لسرادق عزاء ومواساة، حتى الشباب إللي كانوا عاملين ضجيج وبيضحكوا وبيهزروا مع بعضهم احترموا اللحظة وتوقفوا عن الهزار، وشاب منهم راح مطلع موبايله وشغل قرآن على صوت الشيخ الطبلاوي رحمه الله.
ماأعظم هذا الشعب، شعب يفيض بالإنسانية والرحمة صفة مترسخة في طبعه ومتأصلة في جيناته.
اللهم اربط على قلب هذا الرجل وأعظم بها أجر والديها، وثقل بها موازينهما، وتغمدها بواسع رحمتكَ وأسكنها فسيح جناتكَ وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقها من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اجعل مرضها شفيعا لها، وارفع درجاتها في الجنة، وثبّتها عند السؤال، وأبدلها دارا خيرا من دارها، وأهلا خيرا من أهلها.





