
الفصل السادس: حين يخاف الوحش دون أن يفهم لماذا؟
بقلم / سهير محمود عيد
لم أخبره بشيء.
وهذا كان خطئي سابقًا…
وهذا كان قراري الآن.
بدأت أتحرّك بهدوء مبالغ فيه.
لا اعتراض.
لا نقاش.
لا دموع.
وافقت على قراراته بسرعة.
ابتسمت أكثر مما ينبغي.
والوحش يكره الابتسامات التي لا يفهمها.
الأولاد تغيّروا.
لكن ليس كما توقّع.
لم يعودوا خائفين…
صاروا صامتين بطريقة منظمة.
يذاكرون دون شكوى.
ينهون واجباتهم بدقة.
لا يسألون عن بطولات.
لا يتحدثون عن تفوق.
الوحش لاحظ.
والوحش حين يلاحظ… يقلق.
قال لي ذات مساء:
«مالهم الولاد؟»
رفعت عيني ببراءة مصطنعة:
«بيعملوا اللي إنت عايزه.»
صمت.
لم يكن هذا الجواب مريحًا.
بعد أيام، عاد مبكرًا على غير عادته.
فتح باب غرفة الأول،
توقّع الفوضى…
وجد ترتيبًا مبالغًا فيه.
الكتب مصفوفة.
الحقيبة جاهزة.
السرير مشدود.
سأل بحدة:
«إنت كويس؟»
أجابه الطفل بهدوء:
«أيوه.»
هدوء بلا خوف.
وهذا جديد.
في غرفة الآخر، وجد مشهدًا مشابهًا.
جلس الطفل يذاكر، رفع رأسه، ثم أكمل دون انتظار تعليق.
الوحش خرج…
وعيناه تضيقان.
في الليل، قال لي فجأة:
— «إنتِ بتعملي حاجة؟»
ابتسمت.
«بعمل اللي إنت طلبته.»
«لا… في حاجة غلط.»
كان محقًا.
لكن ليس كما يظن.
في تلك الليلة، دخلت غرفهم.
جلسنا على الأرض.
بصوت خافت، قلت:
«إنتوا فاكرين لما قلتلكم إن في ناس بتخاف من اللي مش عارفة تتحكم فيه؟»
هزّوا رؤوسهم.
«إنتوا دلوقتي بتستردوا الحاجة الوحيدة اللي ما حدش يقدر يمنعها… احترامكم لنفسكم.»
لم أطلب تمردًا.
طلبت وعيًا.
وفي الأيام التالية، بدأت الرسائل الصغيرة تظهر.
اتصال من المدرسة:
«ابنك بقى هادي زيادة… بس واثق.»
تعليق من المدرّب:
«غريب… الأداء ثابت رغم الغياب.»
حتى الجيران لاحظوا:
«الولاد كبروا فجأة.»
الوحش لم يعد محور عالمهم.
وهذا كان أخطر عليه من أي مواجهة.
في إحدى الليالي، انفجر فجأة:
«إنتوا ليه باردين كده؟»
لم يرد أحد.
قال للأول بعصبية:
«مش فارقلك رأيي؟»
رفع الطفل عينيه بهدوء:
«بسمعك.»
«وبعدين؟»
«وبعمل اللي شايفه صح.»
كانت تلك الجملة…
طعنة بلا دم.
وقف الوحش، يداه ترتجفان.
صرخ:
«إنتِ لقنتيهم!»
نظرت إليه بهدوء قاتل:
«إنت علّمتهم.»
ساد صمت مخيف.
صمت الوحش حين يشعر أن قبضته ارتخت.
في تلك اللحظة، فهمت:
القوة لا تُسحب بالصراخ…
تُسحب حين لا تعود ضرورية.
لكنني أيضًا عرفت أن هذا الصمت
لن يمرّ دون ثمن.
الوحش لا يستسلم.
الوحش يغيّر سلاحه.
والفصل القادم…
سيكشف ما يفعله الوحش
حين يشعر أنه يفقد السيطرة فعلًا.
يتبع……





