
صراع العقل والوجدان
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
يخوض الكائن البشري في غيابة جُبِّ نفسه صراعاً أزلياً، لا تشهده الأعين ولا تسمعه الآذان؛ معركةٌ صامتة، ضارية الأركان، تدور رحاها في ذلك الحيز الضيق والمتسع في آنٍ واحد بين جنبات صدره. إنها الحرب القائمة بين اليقين العقلاني والجموح العاطفي، بين عقلٍ يزنُ الأمور بمثاقيل الذرّ، يحلل النتائج ببرودٍ هندسي صارم، وبين قلبٍ يخفقُ بتمرد، يندفع خلف أهواء المحبة دون التفاتٍ لعواقب، أو اكتراثٍ بتبعات.
هذا الصراع، دون غيره، هو الأشد وطأةً والأقسى إيلاماً؛ لأنه صراعٌ لا ترفرف فيه رايات النصر المطلق، بل هو اشتباكٌ تنتهي فصوله دائماً بخسارةٍ مؤجلة، تتربص بالإنسان في شتى اتجاهات مسيره.
انكسار الروح في حضرة المنطق
حين يفرض العقل سطوته، ويحكم قبضته على مجريات الأمور، قد يخرج الإنسان بقرارٍ “صحيح” بمعايير الواقع، لكنه يخرج بقلبٍ مثقلٍ بالندوب، غارقاً في بحور الخيبة. هنا، تنتصر الحكمة لكنها تأتي جافة، مجردة من الدفء، وكأن الإنسان قد ابتاع رصانته ببيع روحه، ليجد نفسه يسير في دروب الصواب وهو خاوٍ من بهجة الحياة، فاقداً للشرارة التي تجعل للوجود معنى. إنها ضريبة “التعقل” التي تُدفع من رصيد السعادة العفوية.
هزيمة المبادئ أمام طوفان العاطفة
وعلى الضفة الأخرى، حين يستسلم الإنسان لنداء قلبه، ويترك له العنان ليقود الدفة، فإنه غالباً ما يرى حصون منطقه تتهاوى، ومبادئه التي شيدها عبر السنين تتساقط كأوراق الخريف. يندفع وراء لحظةِ شجنٍ أو وهجِ حب، ليكتشف في نهاية المطاف أنه قد سدد ثمناً باهظاً من كرامة فكره واستقرار حياته. هو انتصارٌ لحظي للقلب، يعقبه انكسارٌ مدوٍ للعقل، وندمٌ يقتات على ما تبقى من سكينة.
الخسارة الحتمية والشرخ الوجودي
في كِلا المسارين، لا يستطيع المرء أن يعود إلى سابق عهده أبداً. فإما أن يمضي في حياته ملتزماً بصرامة الصواب، لكنه يحمل جسداً بلا روح وفرحاً مبتوراً، وإما أن يذوق طعم السعادة لبرهة خاطفة، ثم يظل بقية عمره مثقلاً بأغلال الندم ومرارة التيه.
إن هذا النزاع بين حكمة العقل ونبض القلب يظل هو المعركة الوحيدة في تاريخ البشرية التي لا يُكتب فيها نصرٌ مؤزر لأي طرف؛ فكلاهما يطالب بالسيادة، وكلاهما يرفض التنازل، وبين مطرقة المنطق وسندان العاطفة، يظل الإنسان هو الضحية الكبرى، والطرف الذي يدفع فاتورة هذا التمزق من سلامة نفسه وطمأنينة روحه.





