
حين يصبح الصمت نجاة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
ثمة فئة من البشر تمرُّ في حيواتنا، ثم يحين حينُ رحيلهم فلا نجد في جعبة الكلام حرفاً واحداً يُقال، ولا في مآقي العيون دمعةً تُسفح استجداءً لبقائهم. لقد بلغت بنا الخيبةُ مبلَغاً جفّت معه منابع العتاب، وصارت الكلماتُ فيها عبئاً لا يطيقه اللسان. إنهم أولئك الذين لم يعد في وداعهم ما يُذكر، لأنهم استنفدوا كل رصيدِ الودّ، وأحرقوا كل جسور العودة قبل أن يخطوا خطوةً واحدة نحو الغياب.
لقد انسلخت أيادينا من بين أياديهم لا رغبةً منا في هجرٍ، ولا سعياً وراء فرقة، فنحن الذين ما فتئنا نتمسك بحبال الوصل حتى تقرحت الأكفّ. لم نكن يوماً هواة رحيل، بل كنا نبحث في عيونهم عن بصيص أملٍ يثنينا عن المضيّ بعيداً. لكنّ الحقيقة المرة تجلّت حين شدّوا حبال الخذلان بقسوةٍ مفرطة، وجذبوها بعنفٍ لم يراعِ فينا ذمةً ولا وداً، حتى بلغت الضغوطُ مداها وانكسرت مِعصمات الصبر فينا. لقد كسروا فينا تلك اليد التي كانت تمتد لتنقذهم، وحطموا المعصم الذي كان يتكئون عليه في ملمّاتهم.
وهكذا، بقينا مخلوعين منهم إلى الأبد، منزوعين من حكاياتهم كما يُنزع الغريب من أرضٍ لم تعد تعرفه. لم يعد يربطنا بهم خيطٌ ولا ذكرى تشفع، فقد أحدثوا في الروح فجوةً لا يردمها اعتذار، وشرخاً لا يداويه زمن. نحن الآن نقف في الجهة المقابلة من العمر، لا نلتفت وراءنا لنتفقد أثرهم، ولا نرفع أيدينا بالتلويح لإلقاء تحية أخيرة؛ فالالتفات في قاموس الكرامة انكسار، والتلويح لمن لم يقدر قيمة القرب هو هدرٌ للمشاعر لا نملك ترفه.
لقد أدركنا، بعد طول عناء، أن بعض الغياب ليس فقداً بل هو نجاةٌ محضة، وفرارٌ بالذات من مقصلة التهميش. إن غيابهم عنا هو طوق النجاة الذي ألقاه القدر إلينا لنخرج من بحور تضحياتنا التي لا تنتهي بلا طائل. وفي حضرة هذا الفراق المهيب، نختار الصمت ملاذاً، فالصمت في هذه اللحظات ليس عجزاً عن التعبير، بل هو لغةٌ مترفعة، وأبلغ بآلاف المرات من كلمات الوداع الجوفاء. إنه صمتُ المنتصر لنفسه، وصمتُ الذي أيقن أن الحروف لم تعد تكفي لوصف حجم الخذلان، فترك للصمت مهمة إعلان النهاية الأبدية.





