
بقلم / أحمد درويش العربى
في ليلةٍ ربيعيّةٍ من تلك الليالي التي تهدأ فيها الأرض كأنها تلتقط أنفاسها بعد طول صخب، جلس شيخٌ مسنّ على ربوةٍ تُطلّ على مدينةٍ بعيدة. كان الليل ناعمًا، والهواء يمرّ على وجه الشيخ كيدٍ أمٍّ تهدهد طفلها. وبين يديه دفترٌ صغير اعتاد أن يدوّن فيه خواطره، لكنه أغلقه تلك الليلة باحساس غامض أنّ شيئًا ما سيحدث.
لمّا همّ أن يصلح عباءته، لمح رجلًا يقترب من بين ظلال الزيتون. كان قادمًا بخطوات هادئة، يحمل حقيبة صغيرة وكتابًا أسودَ اللون. ملامحه أجنبية، لكن في عينيه صدقًا يشبه صدق المتعب الذي قطع دروبًا طويلة ليصل إلى سؤال.
وقف الرجل لحظةً أمام الشيخ، ثم قال بصوتٍ رقيق، فيه موسيقى البحر البعيد:
ـ مساء الخير… أنا باروخ.
رفع الشيخ حاجبيه، وابتسم كمن يتعرّف إلى صديقٍ قديم وإن لم يره قط.
ـ باروخ سبينوزا… الفيلسوف الذي رأى الله في الطبيعة، أليس كذلك؟
ضحك الرجل بخجلٍ يشبه خجل الأطفال، وجلس قرب الشيخ.
ـ هكذا يقولون. أمّا أنا، فقد رأيت العالم كله ينبض بوجودٍ واحد… جوهرٍ واحد… لا ينفصل بعضه عن بعض.
أشار الشيخ إلى شجرة زيتونٍ تقف بجانبهما، متجذّرةً في الأرض كأنها تحفظ سرًّا قديمًا:
ـ هل تراها يا باروخ؟
هزّ الفيلسوف رأسه وهو يتأمّل الأغصان المتمايلة بنقاء القمر.
ـ أراها… وأرى فيها الله.
تنفّس الشيخ بعمق، ثم قال بصوتٍ يشبه حفيف الأوراق:
ـ أمّا أنا فأرى فيها دليلًا على الله… وآيةً من آياته.
الشجرة عندنا ليست الله، بل مخلوقٌ يشير إليه.
ساد صمتٌ ثقيل، ولم يكن ثقله من الكلمات بل من المعاني التي لم تُقل بعد.
كانت الريح تمر بين أغصان الزيتون كأنها تحثّهما على متابعة الرحلة.
قال سبينوزا، وهو يقلب كتابه بين يديه:
ـ لم أستطع أن أجد إلهًا فوق العالم. بحثت طويلًا، فلم أجد إلا هذا الامتداد… هذا الوجود الذي لا ينفصل.
أجابه الشيخ برفقٍ عميق:
ـ ونحن وجدناه فوق العالم، ويُحيط بالعالم، ويُبدع العالم من العدم… ثم يظل غنيًّا عنه.
الله عندنا ليس شجرةً ولا حجرًا… بل خالق الشجرة والحجر.
انخفض رأس سبينوزا قليلًا، كمن يراجع دفتر حياته كله.
ـ ربما لم أفهم الغيب كما تفهمونه. لكنني بحثت بصدق… تركت أهلي، ومجتمعي، وراحتي… لأجل الحقيقة كما رأيتها.
وضع الشيخ يده على كتف الرجل برفقٍ أبوي:
ـ وصدقك يشفع لك يا باروخ، حتى لو لم تصل إلى كامل النور.
لكن أين تركت الأنبياء؟ أين وضعت الوحي؟ أين جعلت قلبك؟
لماذا اكتفيت بالعقل وحده، وهو لا يستغني عن نوره الذي نزل من السماء؟
أغمض سبينوزا عينيه كمن يتذكّر صراعًا قديمًا ظلّ يخفيه عن نفسه.
ـ كانت في داخلي خواطر… ونداءات لا أفهمها.
لكنني كنت أخشى أن أُدخل قلبي في رحلة بدأتُها بالعقل… فأسقط في التناقض.
ابتسم الشيخ، ثم قال بنبرةٍ فيها الحكمة كلها:
― يا باروخ… القلب ليس خصم العقل.
من جمع العقل إلى الوحي وصل، ومن اكتفى بواحد ضاع نصف الطريق.
مرّت لحظةٌ طويلة، كأن الليلة كلها توقّفت تستمع إلى اعترافٍ لم يُنطق.
كان سبينوزا على وشك البكاء، لا ندمًا، بل دهشةً من أن يجد أحدهم يقرأ صمته كما لو كان كتابًا مفتوحًا.
ثم قال بصوتٍ خافت:
ـ ربما كانت السماء قريبةً… ولم أكن أملك الشجاعة لأرفع رأسي.
وربما كانت بعيدة… ولم أملك القوة للوصول إليها.
وقف الشيخ، ومسح التراب عن كمه، كمن يهيّئ نفسه لرحيلٍ قصير:
ـ ليس مهمًا أين كانت السماء… المهم أنك لم تكذب على نفسك.
لكن الباحث عن الحقيقة يا باروخ يحتاج أن يخلع ثياب الهوى قبل أن يبدأ السير.
النوايا المسبقة… أخطر من الظلام نفسه.
رفع سبينوزا رأسه يريد أن يسأل، أن يطلب شيئًا، أن يقول كلمة… لكن الشيخ قد التفت للحظةٍ قصيرة نحو شجرة الزيتون، وحين عاد بعينيه إلى جواره:
لم يجد أحدًا.
كان باروخ قد اختفى كما ظهر؛
هادئًا، بسيطًا، كفكرةٍ جميلةٍ لم تكتمل.
بقيت شجرة الزيتون وحدها، تلمع تحت ضوء القمر، شاهدةً على لقاءٍ لم يحدث في الزمن… بل في قلب كل من يبحث عن الحقيقة حين يجرؤ على طرح السؤال.





