في زمن المعتصم بالله كانت لجيوش الدولة الإسلامية الكثير من الصولات و المعارك مع جيوش الروم ، ومن ضمن هذه المعارك هناك معركة تلفت الانتباه لما لها من إشارة لثقافتنا العربية كما تدل على ذكاء الحاكم حينها وثقافته ، ونسرد منها بتصرف ما يهمنا ويهم القارئ العربي .
عندما تصادم الجيشان :جيش المعتصم وجيش الروم ،طالت المعركة ،طالت المعركة بينهما فلا منتصر ولا مهزوم ، وانسحب الجيشان وعسكروا على أن يتم المعاودة للقتال في اليوم التالي ولكن ، وقع جندي عربي مسلم من جيوش المعتصم في أيدي الروم وهؤلاء كما نعرف لا يرعون إلّا ولا ذمة في أي أسير فما بالكم بأسير عربي مسلم ، قاموا بتعذيبه بأنواع شتى كي ينطق ولو بكلمة أو معلومة تمكنهم من معرفة أي شيء عن جيش المسلمين سواء مكان عسكرتهم أو خططهم ، ولكنهم كمن قبض على الهواء أو أمسك بالماء ، فقد ظلوا أياما يقومون بتعذيب الرجل ولكنه كان صامدا محتسبا يعلم أنه إذا تفوّه بحرف واحد قد يضر جيشه أو بلاده ويتسبب بهزيمة ثقيلة ، فما كان إلا أن الأمر بلغ ملك الروم وقتئذ ، فأمر بأن يأتوا به مكبلا بالأغلال أمامه وقد كان ما أراد ، أتي الجندي أمام الملك ليتفاجأ بما سمع وبما رأى ، فقد قال ملك الروم له : أريد أن اعقد معك صفقة مقابل حريتك وحياتك وإذا رفضت فالموت حتما مصيرك ، لم يجزع الجني الشجاع لهذا الكلام ولكنه بدا مستفسرا عن الصفقة ، قال له الملك أريد أن تكتب بخط يدك إلى ملككم المعتصم رسالة سأمليها عليك وتحفزه على الهجوم بكل جيشه ، وكان ملك الروم قد أخد التدابير اللازمة وأمر جيشه بعمل كمائن لمحاصرة الجيش الإسلامي والقضاء عليه ،وبعد تفكير قليل من الجندي كانت المفاجأة التي اندهش لها الحضور ، فقد وافق الجندي على العرض مقابل حياته ، والاندهاش كان من علمهم المسبق بالجندي المسلم أنه لا سيتسلم ولا يرضى أن يخون بلاده ولو كان ذلك على موته ، ولكنه وافق ، وفي اليوم التالي جاء الجندي مع الحرس وأخد ملك الروم يملي عليه ما أراد والجندي يكتب وبعد أن انتهى ملك الروم من الكلام كتب الجندي عبارة أسفل الرسالة ولكنها في أعلى درجات الدقة اللغوية والبلاغية ، فماذا كتب هذا الجندي ؟ كتب ” نصحت فدع ريبك ودع مهلك ” وعندما لاحظ الملك هذا الجملة تعلل الجندي أنه يحفّز المعتصم على الدخول إلى أرض الشام بسرعة ، وبعد الانتهاء طلب الجندي من ملك الروم أن يفي بوعده ، وكان ما أراد ، وصلت الرسالة إلى المعتصم وقرأها عليه كاتبه أما الحضور فما كان من المعتصم إلا أنه أخدها مرة بعد مرة يتفحصها بنفسه ويعيد النظر إليها كأنه يتمعن في شيء ما ، فقال لوزرائه وقادة جنده ما رأيكم في هذا ؟ فأجمع الحضور وكافة من حضر على أنه لابد من الهجوم بأقصى سرعة ، فابتسم المعتصم وقال لهم “لابد من الانسحاب وبأقصى سرعة ” ، اندهش الجميع من ذلك وتساءلوا فكان رد الخليفة العالم بأسرار اللغة قائلا لحضوره ” إن هذه الرسالة لم يكتبها ملك الروم بل أحد الرجال الذين لديهم الاطلاع بخفايا لغتنا وأسرارها وأظنه أسير من جندنا ” وتابع ” أيها القادة من كتب هذه الرسالة يحذرني فيها من التقدم خطوة واحدة وإلا هلكنا جميعا ” فتسائل الجميع كيف ؟ فنظر المعتصم للعبارة الأخير من الرسالة وقرأها لهم وقال ” ردوها من شمالها إلى يمينها ” فردوها وفهموا المقصد .
العبارة هي : “نصحت فدع ريبك ودع مهلك” .
بعد قرائها من الشمال إلى اليمين ” كلهم عدو كبير عد فتحصن “
فأمر المعتصم جنوده بالتراجع حتى يزيد عددهم، ونجى الجندي بذكائه وبلاغته