أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفنفنونقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمجموعة قصصية

أختفاء

حين تصبح اللوحة مرآة، ويصير الألم طريقًا للعودة إلى الذات

بقلم / أحمد درويش العربى

قصة قصيرة من مجموعتى القصصية الهروب

في أواخر عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون، وفي إحدى قاعات العرض الواسعة بباريس، كنت أقف أمام لوحة للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو. لم يكن المعرض مزدحمًا، بل على العكس، كان الصمت يخيّم عليه كأنه جزء من العرض نفسه. خطوات الزائرين تتلاشى بعيدًا، والهواء مشبع برائحة الخشب العتيق والزيت والدهانات القديمة. وقفت أمام اللوحة كمن يُستدعى، لا كمن يختار. كانت امرأة تحدّق مباشرة فيّ، بعينين لا تنكسران ولا تستجديان، عينين تعرفان الألم معرفة قديمة، حميمة، كأنهما عاشرتاه منذ الطفولة. لم تكن اللوحة جميلة بالمعنى الشائع، لكنها كانت صادقة إلى حدٍ مخيف. كنت مشدوه العينين، لا تكاد جفون عيني تتحرك. شيء ما في داخلي توقّف عن المقاومة. شعرت بأن اللوحة لا تُرى، بل تُحسّ. كأنها تنبض بالحياة… بل كأنها تهمس لي، لا بالكلمات، وإنما بالإحساس. أنت تعرفني… أليس كذلك؟ لا أدري كيف سمعت هذه الجملة. لم تتحرك شفتا المرأة في اللوحة، لكن الصوت وصلني واضحًا، كأنه خرج من صدري أنا. تساءلت في داخلي: هل لأن الحالة التي رُسمت بها اللوحة تشبه حالتي؟ هل لأن الألم إذا وجد مرآته، صاح؟ وجدتني أقترب دون وعي. خطوة… ثم خطوة أخرى. يداي ترتجفان، قلبي يدق بعنف، لكنني لم أستطع التراجع. مددت يدي نحو سطح اللوحة، أردت فقط أن ألمسها، أن أتأكد أنها حقيقية، أن أتأكد أنني ما زلت هنا. وفجأة… أظلمت الدنيا. لم يكن الإظلام كإغماءة عادية. لم يكن سقوطًا في فراغ، بل عبورًا. كأن جسدي انشقّ عن ذاته، وكأن الزمن انحنى وفتح لي بابًا ضيقًا، بالكاد يتسع لروحٍ متعبة. حين فتحت عيني، لم أكن في المعرض. كنت أقف في ساحة صغيرة، أرضها ترابية، تتوسطها شجرة عارية إلا من بعض الأوراق الذابلة. السماء مكسيكية زرقاء، حارقة، مختلفة عن سماء باريس الرمادية. رائحة التراب المشبع بالشمس، ورائحة الدم… نعم، الدم. نظرت إلى يديّ. كانتا سليمتين، لكنهما لم تعودا يديّ. كانتا أنحف، أكثر قسوة، مغطاتين بندوب قديمة. سمعت أنينًا خلفي. استدرت ببطء، وقبل أن أراها، عرفت أنها هي. كانت فريدا. جالسة على كرسي خشبي، ظهرها مستقيم رغم الألم، ساقاها ملفوفتان بالجبس، صدرها مشدود بأحزمة طبية. وجهها هو نفسه الذي في اللوحة، لكنه هنا حيّ، متعب، متشقق بالحياة. قالت دون أن تنظر إليّ: لا تقترب كثيرًا… الألم هنا معدٍ. لم أجد صوتي فورًا. حين تحدثت، خرجت الكلمات مرتجفة: أين أنا؟ رفعت عينيها نحوي، وابتسمت ابتسامة ساخرة: داخل ما تخاف أن تعترف به. اقتربت خطوة. داخل لوحتك؟ ضحكت، ضحكة قصيرة موجعة. لوحتي؟ لا… داخل وجعي. والآن… داخل وجعك أيضًا. جلست أمامها على الأرض، كما يجلس طفل أمام اعترافٍ لا يفهمه بعد. لماذا أنا هنا؟ سكتت طويلًا، ثم قالت: لأنك لم تعد تحتمل البقاء خارج نفسك. بدأت الحكاية تتكشف دون ترتيب. رأيت حوادث، دماء، غرف مستشفيات، عمليات جراحية، مسامير تدخل في اللحم، وعمودًا فقريًا مكسورًا لكنه يرفض الانحناء. كنت أراها وتُريني، لا بالكلام فقط، بل بالصور التي تنغرس في الرأس كالشظايا. كنت أرسم كي لا أموت، قالت. وأنت… لماذا جئت؟ أخفضت رأسي. لأنني تعبت من العيش بلا معنى. نهضت بصعوبة، اقتربت مني، وضعت يدها على صدري. لم تكن لمسة حنونة، بل صادقة. المعنى لا يُعطى… يُنزف. وفجأة تغيّر المكان. صرنا داخل غرفة نوم صغيرة، جدرانها مغطاة باللوحات. في كل لوحة، وجهها، لكن كل وجه كان يحمل ألمًا مختلفًا. وفي الزاوية، رأيت لوحة لم أرها من قبل. كانت صورتي. أنا، بملامح متعبة، عينان فارغتان، شقّ طويل في الصدر يكشف قلبًا عاريًا. صرخت: هذه ليست لوحتي! قالت بهدوء قاتل: بل هي… فقط لم ترسمها بعد. تقدّمت نحو اللوحة، وكلما اقتربت شعرت بأن صدري ينفتح فعليًا. الألم حقيقي. الدم حقيقي. إن لم تواجهها، ستبقى معلّقًا بين عالمين، قالت. الفن لا يرحم الجبناء. مددت يدي نحو اللوحة… مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم يغمَ عليّ. سُحبت بقوة إلى الداخل. استيقظت على صوت خطوات وأصوات همس. كنت ممددًا على أرض المعرض. وجوه قلقة تحيط بي، أحدهم يناديني، آخر يطلب طبيبًا. جلست فجأة، أتنفس بعنف. هل أنت بخير؟ ماذا حدث لك؟ نظرت حولي بجنون، بحثت عن اللوحة. كانت هناك… لكنها لم تعد كما كانت. اقتربت منها ببطء. نظرت إلى المرأة في اللوحة. كانت تنظر إليّ… وتبتسم. وفي زاوية اللوحة، بالكاد يُرى، انعكاس خافت لرجل يقف خلفها. ملامحه… ملامحي. مددت يدي، لكنني توقفت قبل أن ألمسها. فهمت أخيرًا. بعض العوالم لا نلمسها… نحملها معنا. غادرت المعرض، وباريس بدت أقل برودة. لم يختفِ الألم، لكنه صار قابلًا للرسم. وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ سنوات، أمسكت بالفرشاة. وجلست الى لوحتى التى هربت من البدأ فى رسمها سنين طويلة . وكأن الفرشاة صارت هى التى تجبر يدى على خط ومزج الالوان والتفاصيل . فقد كنت أرسم نفسى … تلك التى أختفت عنى طويلا.

الرئيسية

صفحتنا على الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى