الأسبوع العربيمقالات

هيبة المعلّم ومجانية التعليم… من زمن الاحترام إلى زمن الصدمة

هيبة المعلّم ومجانية التعليم… من زمن الاحترام إلى زمن الصدمة.

بقلم: إسماعيل أبوزيد

 

كان للمعلم قديمًا هيبة لا تُمس؛ هيبة ترافقه أينما ذهب. ونحن صغار، كنّا إذا لمحنا أحد معلمينا يقترب من الشارع الذي نقف فيه، نلوذ بالفرار احترامًا وخشية، لا خوفًا منه بل مهابة لمكانته. كان المعلّم شريكًا أصيلًا في تربيتنا، ضلعًا ثابتًا في تشكيل شخصياتنا، لا يقل أثره عن أثر آبائنا داخل البيوت.

 

لم يكن وليّ أمرٍ يجرؤ على الذهاب إلى المدرسة ليعاتب معلّمًا لأنه قوّم ولده أو شدّ عليه؛ بل كان الأهل – حين يلتقون المعلّم – يرجونه أن يشتدّ عليهم أكثر، وأن يحسن تعليمهم علّهم يصبحون أفضل من آبائهم يومًا ما.

كانت الثقة كاملة، وكانت الحصانة تُمنح للمعلّم بمحبة الناس.

 

أما اليوم… فهل يجرؤ معلّم على أن يرفع صوته لتقويم تلميذ؟

إن فعل، قامت القيامة أمام بوابة المدرسة: تجمهر، صراخ، تصوير، شغب، وربما اعتداء على المعلّم نفسه. فما الذي جرى للمجتمع؟ أين ذهبت تلك الهيبة؟ وكيف تراجع دور المعلّم حتى أصبح ظلًا باهتًا لما كان عليه؟

 

أسئلة يجب أن تُطرح كل يوم، لا لنستعيد الماضي بحذافيره، ولكن لنستعيد معناه وقيمته.

 

ولعلّ السؤال الأكبر: هل اختفى دور المعلّم لأن التعليم تحوّل من رسالة إلى تجارة؟

 

أتذكّر أننا لم نكن ندفع سوى ثمن الكتب. كان التعليم مجانيًا، وكان المعلّم محترمًا بما يقدّمه من علم وتقويم سلوكنا للأفضل، لا بما تتقاضاه المدرسة.

 

أما اليوم، حين تدفع الأسرة آلاف الجنيهات سنويًا، أصبح الطفل مدلّلًا، والمدرسة “خدمة مدفوعة” أكثر منها صرحًا للتربية وتكوين الإنسان. تبدّلت المعادلة، وصار كل شيء يُقاس بالمال… حتى العلم.

 

ثم جاءت الصدمات التي هزّت ما تبقى من الثقة:

استيقظنا مؤخرًا على خبر اعتداء أربعة عاملين بإحدى المدارس على أطفال أبرياء… اعتداء همجي متواصل امتد لشهرين كاملين. حادثة تزلزل قلب أي إنسان، لا مجرد وليّ أمر.

 

ولم تمرّ سوى أيام، حتى فُوجئنا بحادثة أخرى: سائق باص مدرسة يتحرش بطفلة، ويستدرجها بالشوكولاتة والبالونات. الأم لاحظت التغيّر، وتقدمت ببلاغ، بينما اكتفت المدرسة بـ “إنهاء خدمات السائق”!

هكذا ببساطة… ومستقبل طفلة، وجرحها النفسي، هل يمكن معالجته بقرار إداري بارد.

 

ماذا يحدث داخل هذه المدارس ذات المصروفات الباهظة؟

كيف تقبل الإدارة التلاميذ وأولياء الأمور بعد مقابلات مطوّلة ودقيقة، بينما تُهمل تمامًا إجراء مقابلات وتقييمات حقيقية للعاملين؟

 

أين فحوصاتهم النفسية؟ أين التحقق من سجلاتهم الجنائية؟

كيف نُخضع الأطفال لاختبار قبول… ولا نختبر من سيضعون أيديهم عليهم؟

هل أصبح المهم هو “من يدفع” لا “من يربّي”؟

 

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل في المنظومة التعليمية… بل خلل في معايير الاختيار وقيم المجتمع وحماية الأطفال.

 

فإن لم نحمِ الجيل الصاعد، ولم نُحسن انتقاء من نأتمنهم عليه، فسوف يدفع الوطن الثمن كاملًا بعد سنوات.

ولعل هذه الأسئلة المؤلمة تكون جرس إنذار… يعيد إلينا بعضًا من احترام المعلّم، ويدفع المدارس إلى إعادة النظر في رسالتها، ويذكّرنا بأن التربية مسؤولية… لا تجارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى